Quick Contact
حديث الجمعة الديني : “الصحة والمرض”

حديث الجمعة الديني : “الصحة والمرض”

حديث الجمعة الديني : “الصحة والمرض”

لقد اقتضت الحكمة الربانية أن يخلق الشيء وأن يخلق ضده: فالحياة ضدها الموت، والنهار عكسه الليل، والبرودة عكسها السخونة، والطول عكسه القصر، والصحة عكسها المرض، وهكذا في شؤون الحياة، وفي ظواهر الكون كله، والسؤال: ما الحكمة الرّبانية من ذلك؟ والجواب: حتى يدرك الإنسان حقيقة الحياة، وحتى يشكر الإنسان الله عزّوجل على النعم التي وهبها له، فحينما يشاهد الإنسان مريضاً أو مقعداً أو كفيفاً فإنه يحمد الله على الصحة وعلى سلامة الأعضاء وعلى نعمة البصر. ثم لا يستطيع الإنسان أن يعرف الحياة إلا بالموت، ولا يعرف طعم الحلاوة إلا بالمرارة، ولا يعرف نعمة الغنى إلا بالفقر… وذلك تقدير الله العلي القدير القائل: ” إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ “سورة القمر- الآية 49.

الصحة والضرورات الخمس

لا يستطيع الإنسان العيش في المجتمع بكرامة واستقرار وطمأنينة وأمن وأمان إلا إذا تحققت وتوفرت له الضرورات الخمس التي أقرتها الشريعة الإسلامية السمحاء الغراء. والضرورات هي: الدين، النفس، العقل، النسل، والمال. وأن الدولة ملزمة بتوفير هذه الضرورات في المجتمع وحمايتها والمحافظة عليها .وإذا انتفت واحدة من هذه الضرورات فإن المجتمع يضطرب وتعمه الفوضى وعدم الاستقرار، ويلحق الناس الشقاء والعنت وينتابهم الخوف والرعب في حياتهم ومعيشتهم، فكيف إذا انتفت هذه الضرورات؟  فإن الأمور تكون مضطربة اشد وأشد وينهار المجتمع وتسقط الدولة.  ويمكن القول إن صحة الإنسان مرتبطة ارتباطاً مباشراً بثلاث من هذه الضرورات، وهي: النفس، العقل، والنسل، حيث ان انتفاء هذه الضرورات سيؤثر سلبا على صحة الانسان وبشكل مباشر.

حث الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الصحة البدنية

هناك العشرات من أفعال الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن اقواله التي تحث على الاهتمام بالصحة ورعايتها، والاخذ بالاسباب بالمداواة، وهذا يؤكد على أن ولي الأمر ملزم بتوفير الرعاية الصحية للمواطنين جميعهم دون النظر إلى الديانة أو العرق…  أذكر بعضا من هذه الأفعال والأقوال:

  1. حينما أهدى المقوقس ملك مصر طبيبا للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- فقد أمر –عليه السلام- هذا الطبيب المصري القيام بمعالجة الناس جميعهم دون استثناء وبدون مقابل ، ولم يثبت أن أحداً دفع أجرة مقابل المعالجة الصحية أو قيمة الأدوية اللازمة ، للدلالة على أن المعالجة هي مجانية.
  2. لقد استقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- الطبيب العربي الحارث بن كلدة وذلك لتطبيب الناس.
  3. لقد أمر –عليه الصلاة والسلام- بمداواة قوم العرنيين (من القبائل العربية) حينما قدموا المدينة المنورة، ولم يغادروها حتى شفوا.
  4. لقد أقام (عليه الصلاة والسلام) خيمة ثابتة في مساحة المسجد النبوي لمعالجة المرضى وإسعاف الجرحى، وكان عدد من الصحابيات –رضي الله عنهن- يقمن بهذه المهمة الإنسانية ، ومن أشهرهن: رفيدة بنت سعد الأسلمية رضي اللـه عنها.
  5. كانت هناك خيمة متنقلة ميدانية تنصب في كل معركة من غزوات النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك لإسعاف الجرحى. وكانت الصحابيات –رضي الله عنهنّ-  يقمن بهذه المهمة الإنسانية الجليلة حسبة للـه تعالى. ومن أشهرهن: أم عمارة رضي اللـه عنها.
  6. ورد في الحديث النبوي الشريف: “من أصبح منكم آمنا في سربة، معافى  في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما خيرت له الدنيا” رواه الترمذي عن الصحابي الجليل عبيد بن محصن الخطمي الأنصاري -رضي اللـه عنه-، فقد جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأمن والصحة والنفقة من الحاجات الأساسية للإنسان والتي لا بد من توفيرها من قبل الدولة.
  7. أمر (عليه الصلاة والسلام) الناس بالتداوي حيث قال “تداووا يا عباد اللـه فإن اللـه لم يضع داءً إلا وضع له شفاء” وفي رواية ” إلا داءً واحداً، قالوا : يا رسول الله، وما هو؟ قال : الهرم- أخرجه أحمد في مسنده والترمذي في سننه عن الصحابي الجليل أسامة بن شريك رضي اللـه عنه. وفي حديث نبوي شريف آخر: “ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء”- أخرجه البخاري وأحمد وابن ماجة عن الصحابي الجليل أبي هريرة –رضي الله عنه-. وفي حديث نبوي شريف ثالث: “لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله” –أخرجه مسلم وأحمد عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما- وفي حديث نبوي شريف رابع: “إن الله لا ينزل داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله إلا السام. قالوا: ما السام؟ قال: الموت، وفي رواية (لم يخلق) بدل من (لم ينزل)، و(خلق) بدلاً من (أنزل).

المرض إبتلاء واختبار

إن إصابة الإنسان بأي مرض من الأمراض ليست دليلاً على بغض الله تعالى لهذا المريض أو عدم الرضا عنه، وانما المرض هو ابتلاء واختبار من الله رب العالمين، ونسأله عزّوجل أن لا يبتلينا، واذا ابتلينا يتوجب علينا أن نتحلى بالصبر والثبات، وأن يمنّ الله –عزّوجل- علينا بالصحة والشفاء من الأمراض فيقول سبحانه وتعالى” وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ” سورة الشعراء- الآية 80. ويقول سيدنا ورسولنا محمد –صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي – يقول الله تعالى- : ” إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه فصبر عوّضته منهما الجنّة” رواه الإمام البخاري عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه. والحبيبتان هما: العينان، ويقول الرسول –صلى الله عليه وسلم-: “إن الله لم ينزل داء إلا أنزل معه الدواء..” رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه”. وفي حديث نبوي شريف ثان: ” ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن ولا اذى حتى الشوكة شاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه” أخرجه البخاري ومسلم عن الصحابي الجليل أبو هريرة –رضي الله عنه-. وفي حديث نبوي شريف ثالث: ” عجباً لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر ، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له” رواه مسلم عن الصحابي الجليل صهيب بن سنان –رضي الله عنه-.

وفي حديث نبوي شريف رابع: ” قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-: “دخلت على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهو يوعك. فقلتُ : يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً. قال عليه الصلاة والسلام: أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها”. رواه البخاري.

فضل الدعاء وأهميته

بالإضافة إلى ما يتناوله المريض من الأدوية والعقاقير فإنه ينبغي عليه أن يلجأ إلى الله رب العالمين بالدعاء والتضرع ليمن عليه بالشفاء وليخفف عنه وطأة المرض، وأن يتحلى بالصبر وأن لا يتذمر، وهذا ما حصل مع النبي أيوب –عليه السلام- كرمز من رموز المرضى الصابرين الذين دعوا اليه ولجأوا إليه للشفاء، فاستجاب الله لسيدنا أيوب –عليه السلام-،  وكذلك الأمر ما حصل مع الصحابي الجليل عمران بن الحصين –رضي الله عنهما- الذي مكث في مرضه مدة طويلة، وكانت الملائكة تعوده (أي تزوره) إكراماً له ولصبره وتجلده إلى أن شفاه الله. كما أن رسولنا الأكرم محمداً –صلى الله عليه وسلم- كان يعوده ويدعو له بالشفاء ، وكان عمران يسأل الرسول –صلى الله عليه وسلم- عن أحكام فقهية تتعلق بالعبادة بحق المريض.. وعليه ننصح المرضى بمختلف أنواع المرض أن يكونوا على اتصال دائم بالله سبحانه وتعالى بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن الكريم، ونطلب من الله الشفاء لجميع المرضى… آمين آمين.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل وارزقنا اليقين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.