Quick Contact

الرعاية الصحية في الإسلام

 الضروررات الخمس التي أقرتها الشريعة الإسلامية السمحاء الغراء ، وهذه الضرورات هي الدين ، النفس العقل النسل ، والمال . وإن الدولة ملزمة بتوفير الضرورات في المجتمع وحمايتها والمحافظة عليها ليتمكن الناس ، من العيش بأمن وأمان وطمأنينة واستقرار وإذا انتفت واحدة من هذه الضرورات ، فغن المجتمع يضطرب وتعمه الفوضى وعدم الاستقرار ، ويلحق الناس الشقاء والعنت وينتابهم الخوف والرعب في حياتهم ومعيشتهم ز فكيف إذا انتفى بعض هذه الضرورات أو انتفت كلها فالأمور تكون مضطربة أشد وينهار المجتمع وتسقط الدولة .

           ارتباط الصحة بالضرورات الخمس

يمكن القول عن صحة الإنسان مرتبطة ارتباطاً مباشراً بثلاث من هذه الضرورات وهي : النفس ، والعقل ، والنسل . لأن انتفاء الرعاية الصحية سيؤثر سلباً على النفس وعلى العقل وعلى النسل ، وما دامت الدولة ملزمة بتوفير هذه الضرورات فلا بد من أن تتبنى الدولة الرعاية الصحية .

        أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله

                هناك العشرات من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أفعاله التي تحث على الاهتمام بالصحة ورعايتها ، والتي تؤكد على أن ولي الأمر بتوفير الرعاية الصحية للمواطنين ، اذكر بعضاً منها :

 1- حينما أهدى المقوس ملك مصر طبيباً للرسول محمد صلى الله عليه وسلم فإنه (صلى الله عليه وسلم ) أمر هذا الطبيب المصري القيام بمعالجة الناس جميعهم دون استثناء ، وبدون مقابل ولم يثبت أن أحداً دفع أجراً مقابل المعالجة الصحية أو قيمة الأدوية  اللازمة .

2- استقدام النبي صلى الله عليه وسلم الطبيب العربي الحارث بن كلدة لتطبيب الناس .

3- مداواته (عليه الصلاة والسلام ) لقوم العرنيين من القبائل العربية حينما قدموا إلى المدينة المنورة وهم مرضى ن حتى شفوا.

4- أقام (عليه الصلاة والسلام ) خيمة ثابتة في فناء المسجد النبوي لمعالجة المرضى وإسعاف الجرحى ، وكان عدد من الصحابيات يقمن بهذه المعالجات الصحية ، ومن أشهرن : رفيدة بنت سعد الأسلمية رضي الله عنها .

5-كانت خيمة متنقلة ميدانية تنصب في كل معركة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لإسعاف الجرحى ، وكانت الصحابيات يقمن بهذه المهمة الإنسانية الجليلة حسبة الله تعالى ، ومن أشهرهن : ام عمارة رضي الله عنها .

6- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من اصبح منكم آمناً في سريه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ” . فقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الأمن والصحة والنفقة من الحاجات الأساسة للإنسان والتي لا بد من توفيرها من قبل الدولة .

7- أمر (عليه الصلاة والسلام ) الناس بالتداوي حيث قال ” تداووا يا عباد الله ،فإن الله  لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً” وفي رواية ” …. إلا داءً واحداً قالوا : يا رسول الله ، ما هو ؟ قال : الهرم ” وفي حديث نبوي آخر ” ما انزل داءً إلا انزل له شفاءً ” وفي حديث نبوي ثالث ” لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ” . وفي حديث نبوي رابع ” إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له دواء ، علمه من علمه ، وجهله من جهله إلا السام ز قالوا ما السام ؟ قال : الموت ” . وفي رواية (لم يخلق) بدلاً من ( لم ينزل ) ، و( خلق ) بدلاً من (أنزل) .

 8- حث (  عليه الصلاة والسلام ) على تناول الأغذية المفيدة ، وأمر باستعمال الحمية عن أنواع المأكولات بدلاً من استعمال الأدوية .

9- حث ( عليه الصلاة والسلام ) على النظافة في كل شيء حيث تشمل البدن والملابس والمكان . واعتبر النظافة من الإيمان ، كما نهى عن تلويث البيئة ، ومنع من التبول في الماء الراكد غير الجاري .

10_ عنايته بالمرأة الحامل والمرضعة والحائض والنفساء ، وعنايته بالمرضى وذلك بتخفيف بعض التكاليف الشرعية عنهم في مجال الصلاة والصوم والجهاد وغيرها .

11_ منعه لارتكاب الفواحش ن وأن الأحاديث النبوية الشريفة قد حذرت مما يترتب على هذه الفواحش من أمراض فيقول عليه الصلاة والسلام ” …..لم تظهر الفاحشة في قوم قط ، حتى يعلنوا بها ، إلا نشأ فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم …”.

12- إن عدم توفير الطب لمجموع الناس يؤدي إلى ضرر محقق ، وأن إزالة الضرر في المجتمع من واجبات الدولة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” لا ضرر ولا ضرار ” .

 الحجر الصحي

           أقر رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم مبدأ الحجر الصحي وقاية من الأمراض المعدية ، وظهر ذلك جلياً في موضوعين : مرض الطاعون ، ومرض الجذام :

    1- قال  ( عليه الصلاة والسلام ) بحق مرض الطاعون ” الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني اسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه “.

واستناداً إلى هذا الحديث النبوي الشريف فقد فرض امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما الحجر الصحي على مناطق في بلاد الشام وذلك حينما انتشر مرض الطاعون والذي عرف بطاعون عمواس نسبة إلى بلدة عمواس في فاسطين والتي تبعد عن مدينة القدس حوالي ثلاثين كيلوا متراً من الجهة الغربية وقد اكتشف مرض الطاعون أول ما اكتشف فيها .

2_ قال (عليه الصلاة والسلام ) بحق مرض الجذام ” فر من المجذوم فرارك من الأسد “والمجذوم هو المصاب بمرض الجذام من الامراض المعدية وهو عبارة عن تآكل في الأعضاء ، واستناداً إلى هذا الحديث النبوي الشريف فقد مر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في طريقه إلى الشام على قوم مجذومين ( أي مصابين بمرض الجذام ) من نصارى نجران فأمر بمعالجتهم وفرض لهم شيئاً من المال وهذا يؤكد اهتمام الإسلام بمعالبجة المرضى من مسلمين وغير مسلمين على حد سواء . كما ورد أن الخليفة الراشدة الخامس عمر بن عبد العزيز الأموي قد عزل المجذومين ، وأمر بمعالجتهم . ويقاس على الطاعون والجذام كل مرض معد .

بناء المشافي

        لقد أشاد الخلفاء والأمراء في العصور المتعاقبة المستشفيات لمعالجة المرضى وصرف العلاج اللازم لهم رجالاً ونساءً من غير أجرة ( أي أن العلاج يكون مجاناً ) مهما كان جنسهم أو دينهم أو مذهبهم : أغنياء أو فقراء ، وكان كل مستشفى من هذه المستشفيات ينقسم إلى قسمين : قسم للرجال ، وقسم للنساء . وتؤثث هذه المستشفيات بأحسن الأثاث وتجهز بأفضل لأدوات بالإضافة إلى الغطاء والكساء والطعام والخدمة ، وكانت تضم أشهر الأطباء المسلمين الذين تفوقوا على أطباء العالم وقتئذ وكان يتولى إدارتها في معظم الأحيان ، أحد الأمراء أو الأشراف أو عظماء الدولة لبيان أهمية الخدمات الصحية ، وللتأكيد على أن الدولة ترعى الشؤون الصحية .

           الاستجمام

          كان بعض الناس يتمارضون رغبة منهم في الدخول إلى المستشفى والتنعم بما فيه لما يجدون من عناية ورعاية ونظافة ومأكولات نظيفة مع أنهم من غير مرضى ، وكان الأطباء يغضون الطرف أحياناً عن هذا التحايل . وذكر المؤرخ خليل بن شاهين الظاهري بأنه زار أحد المستشفيات في دمشق 821ه /1427م فلم يشاهد مثله في عصره . ووافق أن شخصاً كان متمارضاً في المستشفى فكتب له الطبيب بعد ثلاثة أيام ، بلباقة وأدب ، إن الضيف لا يقيم فوق ثلاثة أيام . هكذا كان وضع المشافي في العصور الزاهرة للحضارة الإسلامية ، في الوقت الذي كانت فيه آوروبا تغط في تخلف عميق .

              هذه لمحات بشأن الرعاية الصحية في الإسلام مستدلين بالأحاديث النبوية الشريفة وبأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ومستأنسين بأفعال الصحابة والخلفاء من بعدهم وبصور مشرقة من تاريخ الحضارة الإسلامية عبر العصور الزاهرة ، وذلك للتاكد على أن الدولة ملزمة بالتامين الصحي للمواطنين جميعهم ، ولا مانع شرعاً ان تستوفي الدولة من المواطنين رسوماً واشتراكات في مجال الصحة والدواء إذا لم تستطع الدولة تغطية كافة تكاليف المستشفيات والمستوصفات والعيادات . كما يحق للدولة فرض رسوم أو اشتراكات على المواطنين في مجالات أخرى وذلك مسلهمه من المواطنين في التخفيف عن الالتزامات المالية على الدولة . وهذا ما أميل إليه وأفتي به ، والله في عون العبد في عون أخيه .

السموم القاتلة ( المخدرات)

          تتنافل أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بين الفينة والأخرى أخباراً مزعجة ومؤلمة بشأن الجرائم التي يرتبكها مدمنوا المخدرات ، وأخباراً أخرى بشأن محاولات تهريب المخدرات بكميات ضخمة من الكوكابين أو الهيرويين أو الحشيشة من قطر لآخر عن طريق البر أو البحر أو الجو ، وهذا مؤشر خطر للدلالة على أن المخدرات لا تزال تستشري في المجتمعات البشرية ، وأن خطرها يزداد يوماً بعد يوم ، والناس مشغولون في الأحداث السياسية والعسكرية والاحتلالية .

تحريم الإسلام  للمخدرات

      لقد سبق ديننا الإسلامي العظيم غيره من القوانين الوضعية ، وانفرد عن الديانات الأخرى في تحريمه للمخدرات زراعة أو تصنيعاً أو تجارة من البيع والشراء ، أو تعاطيها لها وكل ما يتعلق بها ، وهناك أدلة شرعية على تحريم المخدرات منها :

1- ثبت أم المؤمنين ام سلمة رضي الله عنها قالت ” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر “، والمفتر ” فتح حرف الفاء ، وكر التاء المضعفة ” هو لفظ عام في دلالته فيدخل في النهي كل ما يؤدي إلى التفتير وضعف الأعضاء بغض النظر عن المادة التي تتخذ منها كالحشيش والكوكابين والهرويين وغيرها من المشتقات السامة ، والملاحظ أن المادة المفترة جاءت مقترنة مع المادة المسكرة في هذا الحديث النبوي الشريف ، وبما أن المادة المسكرة محرمة شرعاً فإن المادة المفترة محرمة ايضاً ، وما ينسحب على الخمر فإنه ينسحب على المواد المفترة ” المخدرة” فيشمل النهي تعاطي هذه المواد والاتجار بها وبيعها وشراءها وزراعتها ونقلها وغير ذلك مم يتعلق بها .

 2- الإجماع : أجمع الفقهاء وعلماء الأمة الإسلامية على تحريم الحشيشة تحريماً قاطعاً واعتبروها أشد من الخمر في التحريم لأضرارها ولآثارها ونتائجها السلبية المدمرة ، وذلك منذ اكتشافها في القرن السابع للهجرة ” أي في القرن الثالث عشر للميلاد ” وحتى الآن .. وفي مقدمة العلماء الأجلاء الذين أفتوا بتحريم الحشيشة العالم المجاهد ابن تيمية وسلطان العلماء العز بن عبد السلام وابن قيم الجوزية وابن حجر العسقلاني والعراقي والصنعاني وغيرهم ، وكانت فتاواهم موضع إجماع لدى العلماء جميعهم دون مخالف ن واستمر إجماع العلماء على تحريم الحشيشة ومشتقاتها حتى يومنا هذا .

3- القياس : قاس الفقهاء مادة الحشيشة على الخمر ، فكما أن الخمرة محرمة تحريماً عاماً مطلقاً فكذا الأمر بالنسبة للحشيشة ومشتقاتها ، وذلك على ضوء القاعدة الشرعية والتي نصها ” فمن باب أولى جاء التحريم ” لان تأثير الحشيشة على الإنسان أشد وانكى من تأثير الخمر ، وأن الحشيشة تؤدي إلى آثار سلبية متعددة اكثر من الخمر في المجالت الإجتماعية والأسرية والعائلية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية والأمنية .

       فتاوى العلماء الأعلام في تحريم الحشيشة

1- اعتبر الإمام المجاهد ابن تيمية الذي عاش في القرن السابع للهجرة / القرن الثالث عشر للميلاد بأن الحشيشة هي أشد في التحريم من الخمر فيقول عن الحشيشة ” إن فيها مفاسد ما ليس في الخمر فهي أولى بالتحريم وإن من استحلها وزعم أنها حلال فإنه يستتاب ، وإلا يقتل مرتداً ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين “.

 2_ يقول الإمام ابن قيم الجوزية الذي عاش في”القرن الثامن للهجرة / القرن الرابع عشر للميلاد ” ( يدخل في الخمر كل مسكر مائعاً كان أو جامداً عصيراً أو مطبوخاً واللقمة الملعونة لقمة الفسق والفجور التي تحرك القلب الساكن أخبث الأماكن واللقمة الملعونة هي الحشيشة ) .

3- نقل الغمام ابن حجر العسقلاني الذي عاش في ” القرن التاسع للهجرة / القرن الخامس عشر للميلاد ” عن بعض العلماء ( إن في أكل الحشيشة مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية ) وقال : ( ومن ادعى أن الحشيشة لا تسكر فهو مكابر فإنها ما يحدثه الخمر ) .

4_ يقول الإمام محمد علاء الدين الحصكفي صاحب كتاب الدر المختار في الفقه الحنفي والذي عاش ( القرن الحادي عشر للهجرة/القرن السابع عشر للميلاد ) ، يحرم أكل البنج والحشيش والأفيون لانه مفسد للعقل ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة .

5- يقول الإمام محمد الصنعاني صاحب كتاب سبل السلام والذي عاش في ( القرن الثاني عشر للهجرة / القرن الثامن عشر للميلاد) ، إنه يحرم نا اسكر من أي شيء وإن لم يكن مشروباً كالحشيشة .

معالجة ظاهرة المخدرات

لا بد من توفر ركيزتين اثنتين في المجتمع لعلاج أي قضية خطيرة كظاهرة المخدرات ، وهاتان الركيزتان هما :

1- الركيزة الأولى : تنمية الوازع الداخلي في الإنسان وتحريك الضمير فيه ، ويتولد هذا الوازع وينمو ويقوى نتيجة قناعات واعتقادات ، فحين يقتنع الشخص أن المخدرات محرمة من الناحية الدينية وان الله عز وجل يراقب تصرفاته وحركاته وسكناته وأنه سيحاسبه يوم القيامة فغنه حينئذ يرتدع ويقلع عن المحرمات جميعها بما في ذلك تعاطي المخدرات والاتجار بها ، ومن المعلوم بداهة أن المؤمن الصادق في إيمانه يقوم بالواجبات المطلوبة منه طواعية واختياراً لا قسراً ولا جيراً ولا خوفاً من احد ، كما انه يقاع ويبتعد عن المحرمات جمعها ويتجنبها بما في ذلك تعاطي المخدرات بوازع داخلي إيماني . والأصل في المجتمع الصالح أن يتحقق في أفراده الوازع الداخلي ومحاسبة النفس وسؤال الذات ، ولا يصلح أي مجتمع إذا فقدت منه هذه الركيزة ، ومن الملاحظ ان القوانين والانظمة  الوضعية تتجاهل وتغفل موضوع الوازع الداخلي لذا يبقى المجتمع مضطرباً منفلتاً .

2- الركيزة الأخرى : تتمثل هذه الركيزة بردع الدولة لمن يخرج عن القانون والنظام وعن القيم الأخلاقية ، وذلك بفرض عقوبات متدرجة من العقوبة الخفيفة إلى العقوبة الشديدة ، ومن العقوبة الشديدة إلى العقوبة الأشد.

وأقول : ليس من قبيل المبالغة ولا من قبيل التشاؤم ، إذا انهارت الركيزة الأولى التي تتمثل بالوازع العقدي والإيماني ، أقول : لا تسطيع الدولة حينئذ تحقيق الأمن والأمان والطمأنينة والسلام للمواطنين ، وصبح الدولة عاجزة في المحافظة على الضرورات الخمس للإنسان ” وهي الدين والعقل والمال والنفس والنسل “.

     لذا نلاحظ بأن الدول الكبرى لم تتمكن من التغلب على مشكلات المخدرات والمسكرات ، بل أعلنت أمريكا رسمياً إباحة المسكرات بعد أن فشلت في مكافحة الخمر في الثلاثينات من القرن الماضي . والآن تحاول أمريكا الشمالية وغيرها من الدول الأمريكية والأوروبية مكافحة المخدرات ومشتقاتها فلم تستطع كبح جماع تجار المخدرات وأؤكد أن ” العقيدة ” التي تمثل الركيزة الاولى هي الأصل في بنيان المجتمعات الإنسانية السليمة .

       أما ” الدولة” والتي تمثل الركيزة الثانية فإن دورها يكون صمام الأمان والرديف في المحافظة على القيم والأخلاق وسلامة المواطنين وحقوقهم ، وبمعنى أوضح : أن الدولة قد تتمكن من وضع حد للشواذ الذين يمثلون نسبة قليلة في المجتمع ، ولكن حين انعدام الركيزة الأولى فإن الشواذ يصبحون الغالبية في المجتمع وينفلت زمام الأمور من الدولة ، حينئذ ينطبق على المجتمع قوله تعالى ” واتقوا فتنة لا تصيبن اللذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن لله شديد العقاب” ، وهذا ما ينطبق على دول وشعوب العالم في هذه الأيام بما في ذلك العالم الإسلامي الذي لم يتخذ من القرآن الكريم دستوراً له في الحياة العملية.

    ويحسن في هذا المجال ان أعقب على القول المنسوب إلى الخليفة الراشدي الثالث عثمان ابن عفان رضي الله عنه ونصه” إن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن “. فالمراد من هذا القول إن تأثير السلطان مع تطبيقه للقرآن الكريم أقوى من تأثير القرآن وحده بدون سلطان .

 من هنا تظهر الاهمية القصوى لحاجة العالم البشري اليوم لهذا الدين العظيم الذي يحقق للإنسان الوازع الديني والضمير الحي والرقابة الذاتية والخوف من الله ليعيش الناس كل الناس بأمن وأمان وطمأنينة وسلام ، وصدق الله العظيم القائل ” فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون “. والقائل فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى “. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

أكل الميتة وجنون البقر

 قال الله سبحانه وتعالى ” إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به لغير الله . وقال عز وجل ” حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به . وقال رب العالمين في سورة الأنعام ” إلا أن يكون ميتة أو دماً مسقوحا ً أو لحم خنزير فغنه رجس أو فسقاً أهل الغير الله به .

          لقد أثير مجدداً موضوع مرض جنون البقر وبخاصة في أمريكا وكندا، وقال الأطباء البيطريون : إن هذا المرض ينتقل إلى الإنسان عن طريق الطعام .

   ويعتبر هذا المرض من الامراض حديثة الاكتشاف الذي أصاب الأبقار ، حيث تم اكتشافه وتشخيصه لأول مرة في شهر تشرين الثاني نوفمبر سنة 1986 في بريطانيا ، وسمي المرض بجنون البقر ، لأنه اكتشف أول ما اكتشف في الأبقار حيث تظهر عوارضه على الأبقار فتصاب باختلال في الدماغ ” المخ” وما يصاحب هذا المرض من تغير في سلوك الحيوان وفي حركاته غير الطبيعية من اضطراب وتخبط وهيجان .

              وقد تمكث البقرة المصابة بهذا المرض عدة أسابيع ثم ينتهي الامر بتفوق البقرة ” أي بوفاتها”.

السبب في هذا المرض

       لقد حاول الأطباء البيطريون والخبراء المخبريون الكشف عن سبب ظهور هذا المرض فعمدوا إلى تحليل الغذاء الذي تتناوله الأبقار فوجدوا أن هذا الغذاء مكون من مسحوق اللحوم والعظام الميتة المجففة المخلوطة بالأعشاب ، وأحياناً ترش الأعشاب بشيء من النبيذ ، أما الهدف من تقديم مسحوق اللحوم والعظام طعاماً للبقر حتى تكون وجبة الطعام العلفية غنية بالبروتينات بحيث تؤدي إلى الإسراع في النمو وتسمين الأبقار ، فالبقرة التي يكون عمرها الحقيقي ستة أشهر تكون في حجم التي عمرها سنتان . فالبقرة لا تتضخم بشكل تدريجي طبيعي ، وإنما بشكل سريع نتيجة الخلطة في وجبات الطعام .

 الجواب الرباني

         لقد عالج القرآن الكريم هذه المشكلة قبل حصولها ، والله سبحانه وتعالى يقول ” ما فرطنا من الكتاب في شيء”.

       فالقرآن الكريم حرم أكل الميتة واعتبر الميتة أذى ورجساً وحرم الانتفاع منها بأي شيء ، أي أن الله حرم الميتة لما يتوقع من ضررها ، لأن الميتة إما أن تكون ماتت بمرض سابق أو بعلة عارضة ، وكلاهما لا يؤمن ضرره ، بالإضافة إلى أن الطباع السليمة تعافها ونكرهها وتستفزها ز والله عز وجل لم يحرم شيئاً إلا وفية ضرر محقق .

       وقد يقول قائلاً : ما علاقة ذلك بجنون البقر

          والجواب : بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم المباحثات من الطيبات في عدة مواضع فإنه يذكر ما حرم من الأطعمة ، أي أن الأصل في المطعومات هو الإباحة ، واستثنى من المطعومات عدداً من المحرمات منها:”الميتة ، الدم المسفوح، الخنزير ، ما ذبح لغير الله “، وقد خاض العلماء والفقهاء والأطباء عبر التاريخ الإسلامي المجيد في بيان الحكمة من تحريم هذه الانواع من المحرمات فتوصلوا إلى عدد من الحكم والنتائج ، ولكن لم يستطيعوا الوصول على جميع الحكم لأن الله عز وجل لم يطلعنا عليها .

             لذا قال الفقهاء : إن المطعومات لا تعلل ، بمعنى أن المسلم ملزم باجتناب ما نهى الله عنه سواء ادرك المسلم سبب الحرمة أو لم يدركه . لذا فإن ما يتوصل إليه العلماء يتعلق بالحكم لا بالأسباب والعلل . علماً أن الحكم تكون ظنية لا قطعية ، ومع ذلك لا يستطيع العلماء اكتشاف جميع الحكم .

                 وعليه فإن حكمة الله بالغة في تحريم هذه الأشياء ، فلا تحريم إلا فيما يضر الإنسان والحيوان، سواء اكتشف الإنسان الأضرار الناجمة عن المحرمات أو لم يكتشفها . فالأبقار التي أصيبت بمرض جنون البقر كانت تأكل مسحوق اللحوم والعظام الميتة ، وذلك للدلالة على أن اكل الميتة مضر. والله رب العالمين لم يحرم شيئاً عبثاً ، فلو اقتصرت الأبقار على أكل الأعشاب في وجبات الطعام لمل أصابها مثل هذا المرض ، والذي يدل على ذلك أن هناك عدة مزارع للأبقار يملكها مسلمون في بريطانيا لم تصب أبقارهم بمرض جنون البقر لأنهم لا يقدمون للأبقار إلا الأعشاب والماءز فلا يقدمون لها مسحوق الميتة ولا النبيذ ، فالذي يلتزم أحكام القرآن الكريم ويجتنب ما نهى الله عنه لا يعرض الأبقار للإصابة بهذا المرض ولا تلحقه الخسائر الكادحة ويكون قد أرضى ربه ورب المخلوقات جميعها .

النكبة الاقتصادية الربانية

     إن الطمع لدى أصحاب مزارع الأبقار ، وإن الخروج عن الفطرة بأكل الميتة وإن الاستهانة بصحة الناس قد قادت اصحاب المزارع إلى نكبة اقتصادية ربانية لم يكونوا يتوقعونها ، كما لحقت الخسائر بالدول أيضاً ، وهذا ما حصل مع بريطانيا في عام 1996، فهناك خسائر منظورة: فالخسائر المنظورة تمثلت في إتلاف خمسة ملايين رأس من الأبقار وقد يزيد عن هذا العدد. أما الخسائر غير المنظورة فتمثلت في إحجام مئات الملايين من الناس عن شراء مشتقات لحم الأبقار كالمعلبات . ومن مشتقات الألبان ، مثل الجبنة ،اللبنة،السمنة ،الزبدة ،الحلويات، الشوكلاتة وكل مأكول أو مشروب يدخل حليب البقر ضمن مكوناته . فهذه المصنوعات والمشتقات سيلحقها التلف حتماً وينتهي مفعولها دون استهلاك.

             هذه لمحة عابرة عن الربط بين جنون البقرة وأكل الميتة للدلالة على صلاحية هذا الدين الإسلامي العظيم لكل زمان ومكان ، وأنه قد جاء لصلاح البشرية وسعادتها ، وعليه فإني أنفتي بحرمة تقديم مسحوق اللحوم والعظام الميتة المجففة كطعام للأبقار ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الإنجاب ومرض الثلاسيميا

         أولى الإسلام عنايته بالأسرة ،ورسم لها الأحكام الشرعية الكفيلة ببقائها وصلاحها فهي تمثل لبنة من بنيان المجتمع ن وركز ديننا العظيم اهتمامه على توفر عنصر ” التدين” في بناء الأسرة : في كل من الزوج والزوجة . يقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم ” إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض “. فهذا الحديث النبوي الشريف صريح في اشتراط “الدين” في الشاب، وإن تفضيل غيره عليه يؤدي إلى فتنة في المجتمع كله. ومعنى هذا أنه لا يجوز تزويج من لا نطمئن إلى دينه وخلقه. ويقول عليه الصلاة والسلام بحق الزوجة ” تنكح المرأة لأربع : لمالها وحسبها ،ولجمالها ، ولدينها . فاظفر بذات الدين تربت يداك “. ويفهم من هذا الحديث الشريف أن الشاب مامور بالبحث عن الزوجة ذات الدين لان الزوجة الصالحة ذات الدين قادرة على تربية أولادها التربية السليمة وأن توجههم إلى الأخلاق الحميدة . زعبر عليه الصلاة والسلام بقوله “تربت يداك”للحث والترغيب في اختيار الفتاة الملتزمة دينياً فإنه ” عليه الصلاة والسلام ” يخبره بأن مصيره إلى الفقر والهلاك .

الحث على الإنجاب

              من أهداف الزواج : الإنجاب الذي يمثل غريزة حب النوع لدى الإنسان ، وقد حث الرسول عليه الصلاة والسلام على الإنجاب بقوله ” تزوجوا الودود الولود ، فإني مكاثر بكم “.

وفي ذلك مواكبة للفطرة الإنسانية ، لأن الدين الإسلامي هو دين الفطرة ، ولا تستقر الحياة الزوجية إلا بإنجاب الأولاد (ذكوراً وإناثاً).

الحث على الإغتراب

      يحث ديننا الإسلامي على الاغتراب في الإغتراب في الزواج والابتعاد ما أمكن عن الزواج من القريبات، وذلك ليكون المواليد أقوياء وأذكياء ، وكان ذلك قبل خمسة عشر قرناً ، وقد وردت في ذلك آثار عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال منسوبة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وإلى بعض الصحابة منها :

         1_ ” اغتربوا لا تضووا “. أي تزوجوا الغرائب ، لأن ولد الزوجة أقوى من ولد القريبة، ولا تتزوجوا القرائب حتى لا يكون النسل ضعيفاً وقد ضوت المرأة إذا ولدت ولداً ضعيفاً ، فمعنى لا تضووا : لا تأتوا بأولاد ضاوين _أي ضعفاء نحفاء.

2_ ” لا تزوجوا النساء على قراباتهم فإنه من ذلك القطيعة “. أي من المحتمل أي يحصل خلاف بين الزوجين ، مما يؤدي إلى القطيعة بين الاقارب ، حيث لا تنحصر القطيعة بين الزوجين فقط .

3_ لا تنكحوا القرابة فإن الولد يخلق ضاوياً “. أي ضعيفاً . وبالإجمال فإن الحكمة من الاغتراب في الزواج هو تحسين النسل وتقويته ، وعدم نقل أمراض وراثية بين الأقارب ، ومن ذلك مرض الثلاسيميا.

        لمحة عن مرض الثلاسيميا

         هذا المرض من الأمراض الوراثية ، وهو يؤدي إلى ضعف في الدم وتكسر للكرات الحمراء ، لذا يحتاج المصاب إلى وحدات من الدم بشكل مستمر ز وإن هذا المرض يؤثر على نخاع العظم ويضعف من وظيفة الكبد والطحال ، وإن نسبة كبيرة من الأطفال المصابين بهذا المرض في بلادنا يموتون في سن مبكرة لعدم وجود العناية الطبية المكثفة ، ولعدم أخذ الاحتياطات اللازمة ، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج .

       لذا ينصح الأطباء الشاب والفتاة في إجراء فحص كامل للدم ،ويعرف برمز س ب  س وذلك قبل إجراء عقد الزواج للتأكد من سلامة الخاطبين أو سلامة إحداهما : الشاب أو الفتاة ، لان مرض الثلاسيميا لا ينتقل إلى الاطفال إلا إذا كان كل من الزوج والزوجة حاملين للمرض . أما إذا كان الزوج حاملاً للمرض وحده وكانت الزوجة سليمة منه فغن المرض لا ينتقل إلى المولود. وكذلك الامر إذا كانت الزوجة حاملة للمرض وحدها وكان الزوج سليماً منه فإن المرض لا ينتقل إلى المولود وعليه فإن الفحص أصبح ضرورياً لإنجاب أطفال سليمين من الأمراض ز

اقتراح عملي

    لا يخفى ان معظم الناس في بلادنا لا يستسيغون إجراء فحوصات مخبرية للشاب أو الفتاة قبل الزواج ، ويعتبرون هذه الفحوصات زعزعة للثقة بين الناس .

       وأقول : حتى نخرج من هذا الإشكال من الناحية الجماهيرية فغني اقترح ما يلي:

1_ إقامة ندوات عامة للناس يتم شرح السلبيات التي تترتب على هذا المرض . وبيان الحكمة من إجراء الفحص المخبري للزوجين أو لأحدهما. وتقوم جمعية أصقاء مرضى الثلاسيميا في فلسطين ، في هذه الأيام بالدور التثقيفي ، وأدعوا المؤسسات إلى التعاون في هذا المجال ، وإن دار الفتوى والبحوث الإسلامية بالقدس قد نسقت مع هذه الجمعية لإقامة لقاءات بهدف التثقيف الصحي للجمهور مع بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالزواج وحماية الإنجاب .

2_ اقترح أن يكون الفحص المخبري للشاب اولاً ، فغن ثبت أنه سليم من الامراض وأنه لا يحمل مرض الثلاسيميا فلا داعي لإجاء فحص مخبري للفتاة . أما إن ثبت بأن الشاب يحمل مرض الثلاسيميا فلا بد من إجراء فحص الدم للفتاة، فغن كانت سليمة من هذا المرض فلا مشكلة حينئذ من الزواج من هذا الشاب. أما إن كانت الفتاة حاملة لهذا المرض وكان الزوج أيضاً مصاباً به فلا مجال للزواج بينهما لأن المواليد منهما يصابون بهذا المرض . وأشير هنا إلى ان هذا الاقتراح قد أصبح قانوناًقد أصبح قانوناً معمولاً به في المحاكم الشرعية في بلادنا .

    وأخيراً أدعو الله سبحانه وتعالى للزوجين بحياة هانئة مستقرة ، وأن يرزقهما الله اأولاداً سليمين عقلياً وجسمياً . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

أحكام الرضاعة

دلالة الرضاعة

     الرضاعة ( بفتح حركة حرف الراء أو كسر حركة الحرف )هي اسم من المصدر (الإرضاع). وإن فتح حركة حرف الراء هو الأكثر شيوعاً من كسر الحركة لما ورد في القرآن الكريم” والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ” وقال علماء اللغة : امرأة مرضع-أي لها ولد ترضعه فعلاً – ونقول امرأة مرضعة ( بإضافة تاء التأنيث المربوطة ) : إذا لم يكن لها ولد أو كان لها ولد ولكن لم تقم بإرضاعه فعلاً أي أن لفظ مرضعة يقيد الوصف للمرأة فقط. . وهذا القول منسوب إلى الإمام الفراء من علماء اللغة وإلى تلامذته ومدرسته . وهناك قول آخر لعلماء اللغة عكس القول الأول وهو : امرأة مرضع يفيد الوصف دون الفعل أي امرأة ليس لهل ولد أو كان لهل ولد ولم تقم برضاعته فعلاً . وامرأة مرضعة ( بإضافة تاء التأنيث المربوطة ) : إذا أريد الفعل ان المرأة تقوم بالرضاعة فعلاً . وهو فول منسوب إلى الإمام أحمد بن خليل الفراهيدي وإلى تلامذته ومدرسته. ( انظر لسان العرب ومصباح المنير ومختار الصحاح مادة رضع ) .

       وإني إذا أرجح القول الثاني استناداً إلى قوله تعالى ” يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت”. فالمراد بالمرضعة هنا : المرأة التي ترضع الطفل فعلاً وذلك لتصوير هول يوم القيامة بان المرأة تذهل عن ابنها الذي ترضعه في هذا اليوم العظيم والموقف العصيب فلو افترضنا بأن المرأة لم يكن لها ولد ترضعه فعن أي شيء ستذهل؟ للتأكيد على أن المرضعة هي التي ترضع ولدها فعلاً .

مدة الرضاعة

          لقد حدد القرآن الكريم مدة الرضاعة بعامين ، سواء كانت المرضعة أماً للرضيع أو كانت امرأة أخرى ، وسواء كان الإرضاع مقابل أجر أو كان تطوعاً لقوله سبحانه وتعالى “والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة”. أي أن مدة عامين اثنين هي الحد الأقصى ( الأعلى ) الذي تترتب عليه أحكام الرضاعة ، ويجوز أن تكون المدة أقل من ذلك . ولكن الفقهاء قد اعتبروا إتمام المدة بالحولين من الأمور المستحبة لما في ذلك من مصلحة للرضيع. وما زاد عن العامين فهو أمر مباح ولا يترتب على الرضاعة أي حكم شرعي ، أي إذا كان عمر الطفل يزيد عن سنتين فلا تثبت بحق الراضع حرمة الرضاعة.

    الأجرة على الرضاعة

السؤال : هل تلتزم الأم بإرضاع ولدها ؟ وهل يحق لها أن تطلب أجرة مقابل الإرضاع ؟ للإجابة عن هذين السؤالين أوضح ما يأتي :

أ_ تكون الأم ملزمة بإرضاع طفلها ضمن الشروط الآتية :

1- إذا تعلق الطفل بها ، وأنه لم يقبل أن برضع من غيرها .

2- إذا لم توجد امرأة أخرى لتقوم بالإرضاع .

3- إذا كانت صحة الأم تساعد على الإرضاع .

ب- يحق للأم أن تطلب أجرة مقابل إرضاع ولدها من حيث المبدأ لقول الله عز وجل ” فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن “. فإن كان الزوج معسراً فينبغي أن تسقط حقها في المطالبة . أما إذا كان الزوج موسراً فلها الخيار في المطالبة أو عدم المطالبة والعرف الشائع في بلادنا أن الأم لا تطلب أجرة على الإرضاع ، ويعتبر المطالبة منقصة في حقها ، بل يعتبر الإرضاع واجباً عليها.

       أما إذا كانت المرضعة غير الأم  فلها الحق الشرعي في المطالبة بالأجرة . وقد كان ذلك شائعاً في بلادنا . ولكن قلت نسبة المرضعات بأجرة في هذه الايام ، وذلك بسبب تحسن الأوضاع الاقتصادية في بلادنا ، ولانتشار الحليب الصناعي في الأسواق .

        وعليه أنصح الأمهات بإرضاع أولادهن الرضاعة الطبيعية ما دمن قادرات صحياً على ذلك ، للمحافظة على صحة الأولاد بالإضافة إلى الحنان والمحبة والرعاية للطفل ، وبذلك أفتي .

المحاكم الشرعية والرضاعة بالأجرة

     تنص المادة (152) من قانون الأحوال الشخصية لعام 1976 م على ما يأتي ( لا تستحق أم الصغير حال قيام الزوجية أو في عدة الطلاق الرجعي أجرة على إرضاع ولدها ، وتستحقها في عدة الطلاق البائن وبعدها ). ومعنى هذا أن الأم لا تأخذ أجرة على إرضاع ولدها ، وهو رأي المالكية والحنفية ورأي لبعض الشافعية ،. وأن المحاكم الشرعية في بلادنا ملتزمة بهذا الرأي وإني أفتي ذلك .أما إذا كانت المرضعة غير الأم فمن حقها أن تطالب بالاجرة على الإرضاع ، وهو موضع اتفاق بين الفقهاء .

ما يترتب على الرضاعة من أحكام

     يترتب على الرضاعة حرمة كحرمة النسب للحديث النبوي الشريف ” يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة”. وقال عليه السلام من حديث مطول “… وأن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب ” فإذا أرضعت امرأة طفلاً ، ليس بولدها ، وكان عمره سنتين قأقل فإن هذا الطفل يصبح ابناً للمرأة المرضعة كالولد بالنسب بحيث لا يستطيع هذا الطفل مستقبلاً أن يتزوج أي بنت من بناتها فيحرم على الطفل بناتها جميعهن دون استثناء ، وليست البنت التي رضعت معه فقط، كما يتوهم بعض الناس ، والسبب في حرمة البنات جميعهن على الراضع هو أن اللبن للزوج كما يقول جمهور الفقهاء . وكذلك الأمر في ما إذا أرضعت المرأة طفلة، ليس ابنتها ، وكان عمرها سنتين فأقل فإن هذه الطفلة تصبح ابنة للمرأة المرضعة كالنسب بحيث لا تستطيع مستقبلاُ أن تتزوج أي ابن من أبناء المرأة المرضعة فيحرم عليها أولاد المرأة جميعهم دون استثناء ، وليس الابن الذي رضع معها فقط ، كما يتوهم بعض الناس ، والسبب في ذلك هو أن اللبن للزوج كما يقول جمهور الفقهاء لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم ” أريد على ابنة حمزة فقال : إنها لا تحل لي ، إنها ابنة أخي ، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب “.

 فالحديث الشريف يشير إلى أنه عرض على الرسول صلى الله عليه وسلم أي يتزوج من ابنة عمه حمزة فأوضح عليه السلام بأن ابنة عمه حمزة لا تحل له لأنه عليه السلام قد رضع من ثويبة كما أن عمه حمزة قد رضع منها ايضاً ، فأصبح عليه السلام أخاً لعمه حمزة في الرضاعة ، وبالتالي يكون عليه السلام عماً لابنة عمه حمزة في الرضاعة فلا يجوز أي يتزوج منها . ومن الأحكام الشرعية بأن الطفل إذا كان عمره يزيد عن السنتين ورضع من أي امرأة فإنه لا يترتب على الإرضاع أي حرمة ، لان الحرمة لا تثبت إلا إذا كان عمر الراضع سنتين فأقل.

عدد الرضعات

       هناك سؤال يطرح نفسه : ما عدد الرضعات التي يرضعها الطفل خلال السنتين الأوليتين من عمره حتى تثبت بحقه حرمة الرضاعة؟. وللإجابة على هذا السؤال أقول : لقد تفاوتت آراء الفقهاء في ذلك، وأشير هنا إلى رأيين مشهورين هما:

    1- رأي السادة الحنفية : تثبت حرمة الرضاعة بمجرد أي يرضع الطفل من امرأة ليست أمه ، لان الحليب ينشز العظم وينبت اللحم بغض النظر عن مقداره وكميته ، حينئذ لا يحق للطفل مستقبلاً أي يتزوج من أي بنت من بنات المرضعة ، وبكلام آخر: إذا رضع الطفل أقل من خمس رضعات مشبعات لا تثبت الحرمة . وما ينطبق على الطفل ينطبق أيضاً على الطفلة ، وهذا هو رأي الشافعية.وأميل إلى رأي الحنفية وافتي به للاحتياطات ودرء الشبهات ، وحسماً لأي شك أو تقول أو احتمال ، وبخاصة قبل الخطبة وقبل إجراء عقد الزواج ، والرضعة المشبعة تعرف بأن يترك الطفل الثدي بنفسه.

اكتشاف الرضاعة بعد الزواج

      يحصل في بعض الأحيان أن تكتشف حالة رضاعة بعد الزواج وقد تكتشف بعد أن ينجب الزوجان الأولاد !! فلا بد هنا من التحقق والتقصي والتأكد من الادعاء بوجود رضاعة سابقة بين الزوجين ، وأقول إزاء ذلك : إن الزواج قائم بين الزوجين وهو أمر قطعي ، وإن الإدعاء بالرضاعة هو أمر ظني لعدة أسباب منها :

1- وجود اختلاف بين المذاهب الفقهية حول عدد الرضعات .

2- مرور وقت طويل بين الادعاء بالرضاعة وبين وقوع الرضاعة على فرض وقوعها .

3- احتمال ضعف الذاكرة والتذكر من قبل الذي يدعي وقوع الرضاعة.

4- لا بد من شاهدين عدلين كانا حاضرين حين وقوع الرضاعة .

5- احتمال وجود نكايات وخلافات عائلية بين الزوجة وحماتها حيث تدعي الحماة بحصول الرضاعة بقصد هدم الحياة الزوجية ، وأنها لم تفصح عن ذلك قبل الزواج.

 وعليه لا يرقى الأمر الظني إلى القطعي حتى يتحقق القاضي من صحة الادعاء وبعد استجواب الشهود، حينئذ يتم فسخ عقد الزواج ، ويقع الإثم على من كتم الشهادة ولم يفصح عنها في وقتها المناسب .

    وإذا لم يصل الأمر الظني إلى مرتبة القطعي فإن الزواج يبقى قائماً حرصاً على استمرارية الحياة الزوجية وحفاظاً على الأسرة من الانهدام ،وحماية للأولاد والذرية من التشتت والضياع . لهذا أنصح النساء التحرر عن إرضاع أطفال آخرين حتى لا تقع إشكالات في المستقبل ، وبخاصة ان الحليب الاصطناعي متوفر في الأسواق في حالة عدم تمكن الأم من إرضاع طفلها رضاعة طبيعية.

         رخص شرعية للمرأة المرضعة

      من رحمه الله سبحانه وتعالى على عباده أن شرع لهم رخصاً في مجالات متعددة بسبب المرض او السفر أو كبر السن أو الحمل أو الرضاعة ، ويستحسن في هذه الحالة أن أذكر بعض الأحكام الفقهية التي تتعلق بالمرأة المرضعة في باب الصلاة وباب الصوم :

1- الرخصة في الصلاة للمرأة المرضعة : أجاز السادة الحنابلة للمرأة المرضعة الجمع في الصلاة لوقتي الظهر والعصر ،ولوقتي المغرب والعشاء . ويجوز شرعاً أن يكون الجمع تقديماً أو تاخيرا

وذلك رفعاً للمشقة عند الطهارة والوضوء لكل صلاة زواشترط الحنابلة أن لا يكون فاصلاً بين الصلاة الأولى والصلاة الأخرى حين الجمع .وهذا ما أفتي به .

2- الرخصة في الصوم للمرأة المرضعة : أجاز الفقهاء للمرأة المرضعة  الإفطار في شهر رمضان المبارك، خوفاً على صحتها فقط أو خوفاً على صحة الطفل الرضيع فقط أو خوفاً على صحة الأم والطفل معاً. وتتعلق بهذه الحالات الثلاث أحكام فقهية على النحو الآتي :

أ-ب إذا كان الخوف على صحة المرضعة فقط أو الخوف عليها وعلى رضيعها معاً فيجب عليها في هاتين الحالتين قضاء الصوم دون الكفارة وذلك خلال أشهر السنة ، إذا أفطرت في رمضان ، وقبل حلول شهر رمضان المقبل ، خلال أشهر السنة ، إذا أفطرت في رمضان ، وقبل حلول شهر رمضان المقبل ، باتفاق المذاهب الفقهية ، حيث تأخذ المرضعة حكم المريض .

ج- أما إذا كان الخوف على صحة الرضيع فقط فيجب على المرأة المرضعة القضاء والفدية أي تقضي الأيام التي أفطرت فيها ، وتخرج عنها فدية أيضاً عن كل يوم أفطرت فيه ، ومقدار الفدية هو إطعام مسكين واحد وجبتين عن كل يوم أفطرت فيه .

       وقال بوجوب القضاء مع الفدية في هذه الحالة كل من السادة الشافعية والحنابلة حيث عللوا رأيهم بأن المرضعة في هذه الحالة ليست مريضة فلا ينطبق عليها حكم المريض . أما السادة الحنفية فقالوا بالقضاء دون الفدية . أي أن السادة الحنفية يقولون بوجوب القضاء بحق المرضعة في الحالات الثلاث . وإني أميل إلى رأي السادة الشافعية والسادة الحنابلة . وأفتي به  لأنه رأي معلل. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

الإسلام وتنظيم النسل

مقدمة

     من الغرائز التي جبل وفطر الإنسان عليها هي : غريزة حب النوع الإنساني ، ويمكن القول إن هذه الغريزة تتحقق من خلال الزواج ، بل إن من أهداف الزواج الإنجاب الذي يمثل إشباع غريزة حب النوع الإنساني ، مع عدم إغفالنا لغريزة الجنس التي يتم إشباعها من خلال الزواج ، وهي من أهداف الزواج أيضاً.

    إن بقاء النوع الإنساني إنما يكون بدوام التناسل والإنجاب ، وقد رغب الإسلام في كثرة النسل وشجع عليه ، وبارك الأولاد ذكوراً وإناثاً ، واعتبرهم هبه الله ونعمته . ولكنه – أي الإسلام – قد رخص للزوجين تنظيم النسل وضبطه .ً

تعريف عام بتنظيم النسل

         يمكن إعطاء تعريف عام ومبسط لتنظيم النسل بأنه : قيام الزوجين بالتراضي يبنهما باستخدام وسيلة أو وسائل مشروعة ومأمونة لتأجيل الحمل فترات معينة ومؤقتة يتفق عليها فيما بينهما وبما يتناسب وظروفهما الصحية والاجتماعية والاقتصادية ، وذلك ضمن نطاق المسؤلية نحو أولادهما وأنفسهما دون إكراه ولا إجبار ولا تدخل من الدولة . وإن المدة المثلى بين الولد والولد الآخر لا تقل عن ثلاثين شهرا استئناساً بقوله تعالى :”ووصينا الإنسان بواليه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ” فالآية الكريمة تشير إلى أن مدة الحمل والرضاعة هي ثلاثون شهراً (سنتان ونصف السنة) ويجوز أن تزيد المدة بين الولد والآخر عن ثلاثين شهراً لما فيه من إرهاق وتعب للأم .

مشروعية تنظيم النسل

      تؤخذ مشروعية تنظيم النسل من خلال إباحة الإسلام لمنع الحمل عن طريق ” العزل” لذا يعتبر ” العزل ” آلية تنظيم النسل . والعزل هو قذف نطفة الزوج خارج رحم زوجته عند الإحساس بترولها حين الجماع ، لما روى الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال :” كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل”.

         ومعنى ذلك أن الصحابة كانوا يعزلون حين جماع زوجاتهم في عهد التشريع الأول وبمعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم . وفي رواية أخرى ذكرها الإمام مسلم ” كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغه ذلك فلم ينهنا ” ويعتبر عدم نهي الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك بمثابة إقرار “العزل” . وورد أن رجلاً جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، إني أعزل عن امرأتي ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ” لو كان ضراً لضر فارس والروم اللتين كانتا أقوى دول العالم وقتئذ . كما يؤخذ من هذا الحديث الشريف الحكمة في تنظيم النسل وهي الخشية من سوء واضطراب صحة الأولاد وتربيتهم .

       طرق تنظيم النسل

              يؤخذ من مشروعية ” العزل ” أنه يجوز اتباع طرق أخرى لتنظيم النسل عن طريق القياس . فيقاس على العزل أي أسلوب يمنع الحمل وبشكل مؤقت ولمدة محددة ولا يضر بالزوجة . من هذه الطرق على سيبل المثال لا الحصر ك حبوب منع الحمل ، اللولب ، الحجاب ، الحاجز ، طريقة التوقيت والأيام ، وهي عبارة عن التوقف عن الجماع أياماً معينة وهي أيام الطهر الأولى ، أي بعد الانتهاء من الحيض حوالي أسبوع واحد لثلاثة أو أربعة أيام ، لان هذه الفترة يكون الإخصاب فيها نشيطاً ، إلى غير ذلك من الأساليب والطرق التي يقرها علم الطب وما دامت لا تتعارض مع آداب الإسلام وأخلاقياته أخذاً بمبدأ القياس .

       مبررات تنظيم النسل

هناك عدد من المبررات والدواعي والدوافع لتنظيم النسل وأبرزها:

1- الخشية على حياة الزوجة أو على صحتها بسبب الحمل أو الوضع بشهادة طبيب ثقة ، والله سبحانه وتعالى يقول ” لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده “.

2- عدم تمكن الزوجة من القيام بواجبها نحو الأولاد بسبب الحمل المتتابع.

3- الخشية على الرضيع من حمل جديد ووليد جديد .

4- الخشية من سوء واضطراب صحة الأولاد وتربيتهم والعناية بهم.

5- حرص الإسلام على تقوية النسل . ولا يتحقق ذلك إلا بتنظيم النسل ، كما لا تتحقق تقوية النسل إلا بتغريب النكاح والابتعاد ما أمكن عن الزواج من الأقارب .

6- تمكين الأسرة من تنشئة أطفالها تنشئة إسلامية سليمة . وهذا لا يتسنى إذا كان عدد الأطفال كثيراً.

     تنظيم النسل والتحديد

         المراد بتحديد النسل هو إيقاف النسل نهائياً . أي تعقيم أحد الزوجين بالعقاقير الطبية أو العمليات الجراحية مثل عملية إغلاق قناتي فالوب للزوجة. وهو ما يعرف بربط أو تسكير المواسير. وهي محظورة شرعاَ ، لأنها تقطع النسل ولا يستطيع الزوجان الإنجاب بعد ذلك . ويقال إن الطب يستطيع فتح هذه القناة بعملية جراحة أخرى ولكن هذه العملية غير مأمونة ، لأن الغالب أن الزوجة لا تعود تحمل بعد هذه العمليات.

     أما تنظيم النسل فهو ضبط النسل بشكل إرادي في فترات زمنية محددة كالإنجاب كل ثلاث سنوات أو أربع سنوات على سبيل المثال . بحيث يتمكن الزوجان من الإنجاب متى رغبا في ذلك.

ولا يكون هناك تعطيل للأجهزة التناسلية . لذا يتضح الفرق بين تنظيم النسل وبين تحديده . فالأول جائز شرعاً أما الآخر فهو محظور شرعاً للأسباب التالية:

          1- إن تحديد النسل مخالف لمقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية.وهو المحافظة على النسل.

2- إنه تعطيل لأعضاء الجسم عن وظيفة الإنجاب . وفي ذلك ضرر لهذه الأعضاء . والإسلام يحارب الضرر.فلا ضرر ولا ضرار.

3- إن تحديد النسل فكرة دخيلة علينا تستهدف التقليل من أعداد المسلمين لإضعاف قوتهم .

4- إنه مخالف لأبرز مفاهيم الإسلام وهو أن الرزق بيد الله سبحانه وتعالى . فالله هو الذي خلق الآباء والأمهات والأبناء والبنات . فقد تكفل برزقهم جميعاً. يقول عز وجل ” ولا تقاتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم”.

5- ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى ” ولا تقاتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم”. وهناك حالة استثنائية واحدة فقط يمكن للأسرة أن تلجأ فيها إلى تحديد النسل وذلك إذا كانت الأم في وضع صحي سيء بحيث تتعرض إلى خطر محقق إذا حملت . ففي هذه الحالة أجاز الفقهاء للأم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بعدم الحمل حفاظاً على الأم التي تعتبر الأصل. ويمكن للزوجين أيضاً أن يتبعا طريقة تنظيم النسل بشكل مستمر إن استطاعا تطبيق ذلك في هذه الحالة . وهذا هو الأولى والأفضل . وإلا فيجوز لهما اتباع تحديد النسل.

تنظيم النسل والغيلة

        المراد بالغيلة  أن تحمل المرأة أثناء فترة رضاعها بمولود آخر . أي الحمل حال الرضاع ، فيؤدي هذا الحمل إلى تقليل حليب الأم أو إلى إفساد هذا الحليب ز وبالتالي يؤدي إلى إضعاف الطفل الرضيع وإلى هزاله كما يؤدي إلى إضعاف الجنين . هذا وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم جماع الزوج خلال فترة الرضاع : وطء الغيلة أو الغيل ، وذلك لما يترتب على هذا الوطء من حمل يفسد اللبن ويضعف الولد الرضيع . وإنما سماه غيلاً أو غيلة، لأنه عبارة عن جناية خفية على الطفل الرضيع فأشبه القتل سرً للحديث النبوي الشريف ” ولا تقتلوا أولادكم سراً فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه ” ومعنى يدعثره أي يوقعه عن فرسه ، مع الإشارة إلى أن النهي الوارد في هذا الحديث الشريف لا يصل إلى درجة التحريم للاسباب التالية:

1- إن الضرر غير مضطرد وليس بدائم.

2- من النساء من لا يحملن أثناء فترة الرضاع . فتنظيم النسل لديهن مريح وطبيعي ، أي أنهن لا يغلن.

3- لو كان النهي جازماً بالتحريم لأدى إلى وقوع العنت لدى الأزواج حيث يحظر على الزوج وطء زوجته المرضع وبخاصة أن  مدة الرضاع تمتد إلى سنتين كاملتين وذلك لمن أراد أي يتم الرضاعة لقوله سبحانه وتعالى :” والولدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة “. لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم :” لقد هممت أن أنهي عن الغيلة ثم رأيت فارس والروم يفعلونه ولا يضر أولادهم شيئاً . أي أن النهي لا يصل إلى درجة التحريم، وإنما أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم الأزواج إلى ترك الغيلة ، وذلك باتباع تنظيم النسل أي اتباع أسلوب من أساليب العزل حين الجماع بحيث لا يؤذي المرأة المرضعة وفي الوقت نفسه لا يؤدي إلى توتر وعنت واضطراب لدى الزوج.

الخاتمة

    بهذا الاستعراض الموجز تتضح مشروعية تنظيم النسل ضمن الضوابط التي أشرت إليها ، وأنه من الأمور المباحثة شرعاَ ، مؤكداً أن تنظيم النسل هو تصرف فردي أي ليس بإلزامي من الدولة، وإنما يكون بالتفاهم والرضا بين الزوجين . فقد ورد أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد نهى عن العزل إلا بإذن الزوجة،وقرر الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن العزل يباح إذا أذنت به الزوجة لأن لها حقاًَ في الولد وحقاً في الاستمتاع . وهذه لفتة بارعة في التشريع الإسلامي تصرح بحفظ حق من حقوق المرأة التي يغفل عنها كثير من الناس.

وهذا أميل إليه وأفتي به . والله ولي التوفيق . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الإسلام وتحريم الإجهاض

المقدمة

        لقد حرص ديننا الإسلامي العظيم كل الحرص على حياة الإنسان ، واعتبر الاعتداء عليها بمثابة اعتداء على الناس جميعاً بقوله سبحانه وتعالى :” من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً “. لان الله عز وجل قد كرم بني آدم بقوله ” لقد كرمنا بني آدم”. وإن كرامته تقتضي المحافظة علة الضرورات الخمس للإنسان: وهي العقل والنفس ،والدين ،والمال. فنلاحظ أن النفس من ضمن هذه الضرورات الخمس التي لا بد من توافرها في المجتمع حتى يستقيم أمره.

التعريف بالإجهاض

           الإجهاض هو إسقاط الحمل (أي إسقاط الجنين ) بعد تكوينه في حين أن تنظيم النسل يقوم على مبدأ العزل . وذلك بعدم الحمل، أي دون أن يكون هناك حمل أصلاً ، من هنا يظهر الفرق واضحاً بين الإجهاض وتنظيم النسل ، فالإجهاض يدور حول شيء موجود وهو الجنين، في حين أن تنظيم النسل يمنع وجود إخصاب للجنين أي يمنع الحمل أصلاً وذلك عن طريق العزل، وما هو في معنى العزل ، مثل حبوب منع الحمل أو اللولب . وعليه لا يقال إن العزل قتل للولد قبل خلقه . ولقد أوضح رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم بأن العزل ليس قتلاً للنفس للحديث النبوي الشريف : فقد ورد أن رجلاً قال : يا رسول الله : إني لي جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال ، وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى . فقال عليه الصلاة والسلام ” كذبت اليهود ، لو أراد الله أن يخلق ما استطعت أن تصرفه “.

فيؤخذ من هذا الحديث النبوي الشريف أن العزل ليس موؤودة صغرى أي ليس قتلاً للنفس قبل خلقه وعليه فإن العزل ليس اجهاضاً ، ومع أن الزوج يعزل ويأخذ الاحتياطات اللازمة حتى لا يحصل الحمل إلا أنه قد تفلت منه نطفة تكون سبباً للحمل من حيث لا يدري.أي أن الإحترازات قد لا تكون مأمونة ولا مضمونة . فعلى الإنسان أن يتبع الاحتياطات اللازمة في منع الحمل . فإن حصل حمل فهذا ما يقرره الله رب العالمين علام الغيوب.

الحكم الشرعي في الإجهاض

أما حكم الإسلام في الإجهاض فهو على النحو الآتي :

1- إذا كان الجنين قد نفخت فيه الروح ويكون عمره مائة وعشرين يوماً فأكثر ” أي من أربعة أشهر وحتى الشهر التاسع ” ففي هذه الحالة يحرم إسقاط الجنين ويعتبر إسقاطه قتلاً للنفس وذلك بإجماع الفقهاء ، وتجب فيه الدية كاملة إن نزل حيا ثم مات . أما إن نزل ميتاً ففيه دية ناقصة تعرف لدى الفقهاء ب (الغرة) ومقدارها نصف عشر الدية الكاملة ، وتفصيل ذلك في باب الجنايات والجراحات في كتب الفقه الإسلامي

2- أما إذا لم تنفخ الروح في الجنين ( منذ أن يصبح الجنين علقه أي من العلوق في رحم المرأة حتى نفخ الروح )فالرأي الراجح لدى الفقراء  بأنه يحرم إسقاطه أيضاً أي يأخذ حكم الجنين الذي نفخت فيه الروح . وذلك لأن الحياة تكون في الجنين منذ اللحظات الأولى في تكوينه ، ولأن فيه الاستعداد لاستقبال نفخ الروح ، بالإضافة إلى الضرر الصحي الذي يلحق بالأم نتيجة الإجهاض فقد يكون الإجهاض أشد على المرأة من الحمل والوضع معاً من الناحية الصحية .

       وعليه فإنه يحرم إسقاط الجنين مهما كان عمره سواء كان متخلفاً أو غير متخلق في أي طور من الأطوار وبغض النظر عن الهدف من إسقاط الجنين وهذا ما أميل إليه وأفتي به .

رأي الإمام الغزالي في الإجهاض

     يحسن في هذا المجال أن نورد تعليقاً للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله في التفريق بين الحمل وإسقاط الحمل ( الإجهاض) ، فإنه يجيز منع الحمل في الوقت نفسه يعتبر الإجهاض جناية من الجنايات فيقول في كتابه ” إحياء علوم الدين ما نصه ” .. ليس هذا- أي ليس منع الحمل – كالإجهاض والوأد ، فالإجهاض جناية على موجود حاصل ، والموجود له مراتب : وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة وإفساد ذلك جناية فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش ، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشاً ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الانفصال حياً “. أي إن منتهى الإثم في الجناية ان يقتل الجنين بعد الولادة ويلاحظ أن الإمام الغزالي رحمه الله يعتبر الإجهاض نوعاً من أنواع الواد .

استثناءات من الإجهاض

       هناك استثناءان من تحريم الإجهاض بحيث يجوز فيهما الإجهاض من قبيل الضرورة ، وهذان الاستثناءان هما :

  1- الحالة الاولى : إذا أدى الحمل إلى خطر محقق بالأم الحامل ، أي إذا قرر الطبيب المختص الثقة بأن استمرار الحمل يعرض الحامل إلى الهلاك والموت ، حينئذ يستغنى عن الجنين بإسقاطه، وذلك من قبيل الاستغناء عن الفرع حماية للأصل ، ومن قبيل ارتكاب أخف الضررين،فالأم هي الأصل وهي عماد الأسرة والجنين هو الفرع ، فلا بد من الحرص في المحافظة على الأصل.

2- الحالة الأخرى : إذا كان الجنين غير مكتمل الخلقة ويفتقر إلى عضو مهم في جسمه كالدماغ يحيث يستحيل بقاؤه على قيد الحياة بعد ولادته ، حينئذ يجوز إسقاطه قبل موعده فهو يأخذ حكم ” السقط” الذي لا فائدة ترجى من بقائه في رحم أمه ، كذلك يجوز إسقاط الجنين المشوه تشويهاً خطيراً قبل نفخ الروح . أما إن كان مكتمل الخلقه وفيه بعض التشوه أو الإعاقة فلا يجوز إسقاطه كالجنين الذي يحمل مرض الثلاسيميا أو مرض المنغولي ، فما دام الجنين يستطيع أن يعيش بعد الولادة فلا يجوز إسقاطه وهو في بطن أمه وذلك قياساً على الجنين الذي يولد سليماً ثم يصاب بمرض الجدري أ؟و الحصبة أو السحايا ، ويؤثر أحد هذه الأمراض على حاسة من حواس هذا الطفل ، فهل يجوز قتل هذا الطفل بعد أن يصاب بمرض مستديم أو عاهة مستديمة؟ إن الطفل روحاً ينبغي أن نحافظ عليها ، وينبغي علينا أن نتحلى بالصبر للعناية بهذا الطفل ومعالجته وعلينا أيضاَ أن نتقبل ما كتب الله عز وجل علينا دون أن نتضجر ودون أن نتبرم .وعليه ننصح الأزواج والزوجات ممن لا يرغبون في الإنجاب : عليهم اتباع أسلوب العزل وما هو في معنى العزل أي منع الحمل ، أما إن حصل حمل فلا مجال لإسقاط الجنين حتى لو أثبت الأطباء بأن الجنين سيولد مشوهاً أو متخلفاً ، فلا إسقاط للجنين إلا في الحالتين الاستثنائيتين وعلى الآباء  والأمهات أن يرضوا ويقنعوا بما حصل وبما قرره الله رب العالمين مؤكدين أن إسقاط الحمل منحصر في هاتين الحالتين .

الخاتمة

        هذا عرض موجز للإجهاض وموقف الإسلام منه ، مؤكدين على خطورة الإجهاض وسلبياته على صحة الأم ، وعل المجتمع بشكل عام .

         ولا بد من التنويه إلى أن القرآن الكريم يحرم قتل الأولاد فيقول عز وجل ” ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقهم وإياهم ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى ” ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم عن قتلهم كان خطئاً كبيراً “.

إلا إذا كان الحمل يعرض الأم إلى الخطر حينئذ يرتكب أخف الضررين بالإسقاط حفاظاً على مصلحة الأم باعتبارها هي الأصل وان الحنين هو الفرع،والله تعالى أعلم .

حرمة الاعتداء على الجنين

  لم يأت ذك  كلمة نطفة في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة عبثاَ ، وإلى جانبها مواضع أخرى ذكر فيها خصائص الماء الذي يتكون منه الجنين ، وأن تناول القرآن الكريم والسنة النبوية مسألة الخلق البشري ومراحله يشعرنا بأهمية الموضوع .

     ومنذ علق الجنين بالرحم ، يفرض الاحترام لشخصه الإنساني ، وهذا ما أكده القرآن الكريم مع أنه لم يذكر كلمة إجهاض ، ولكنه بالحديث عن مراحل الخلق البشري والإخصاب يؤكد احترامه ، وبالتالي فهو يدين الإجهاض جذرياً وهو موقف أديان التوحيد في عصرنا . ولحفظ النوع الإنساني شرع الإسلام الزواج وأمر والتوالد والتكاثر باعتبار ذلك الوسيلة الوحيدة والسبيل الامثل لحفظ النسب وبقاء النسل الذي يعد واحداً من الضرورات الخمس . وإذا عرف الناس حالات تعرض فيها الجنين لخطر الإجهاض والسقوط ، فذلك أمر له أسبابه ، وأوضاعه، لأنه يحدث تلقائياً ولا إرادة للإنسان فيه .

    إلا أن الذي يقلق النفوس ،هو ذلك الاعتداء السافر على الأجنة بهدف التخلص منها ، وإجهاضها جنائياً لا لذنب يقع فيه الجنين ولا كسبت يداه فيه شيئاً.

       ولقد أمسى الإجهاض في العالم الغربي مشكلة نتجت عن فساد المجتمعات وكثرة العلاقات غير الشرعية التي بلغت ما يقارب 50% من حالاته أو أكثر في بعض المجتمعات، وكان هذا ثمرة المناداة بالحريات وانعدام مفهوم الأسرة ، وقد دفع هذا إلى إصدار قوانين تبيح التخلص من الحمل وإسقاط تبعاته عن الأم التي تتكفل بأولادها غير الشرعيين ، وتحاول بعض تلك الدول تسويق ما يجري إلينا لإباحة الإجهاض وهدم البقية الباقية من الاخلاق والقيم.

    وهذه القوانين التي كانت أثراً لتلك العلاقات اللا شرعية،  أصبحت دافعاً لاستمرارها ومحركاً لتوسعها ، ولم تكن علاجاً لها ، والإجهاض الجنائي أو الإرادي جرح في جسد المرأة ونفسها يصعب شفاؤه ، ونزف للطاقات البشرية والاقتصادية ، ودعوة للتحلل من الأخلاق والقيم التي تأمر بها الأديان ، والمجتمعات التي سمحت بالإجهاض لن تحصد إلا قلقاً وتعاسة وضياعاً ، جزاء لما اقترفته أيديهم وسنته قوانينهم .

      ولكن مجتمعاتنا الاسلامية السامية-في غالبها ولله الحمد – تعيش بعيداً عن تلك الرذائل وما يتبعها ، والرقيب على أبنائها من داخل أنفسهم ، التي حرص الإسلام على تربيتهم وفق المنهج الإسلامي والعقيدة الصحيحة ، فهي تنأى بأنفسها عن اللهث وراء تلك المجتمعات ، والله الحافظ سبحانه وتعالى .

    مؤيدات تحريم الإجهاض والاعتداء على الجنين

      مما يدل على احترام الشريعة الإسلامية للجنين، ما شرعه الله سبحانه ونص عليه الفقهاء لحق الجنين ، ثم ما يؤخذ من الواقع المؤيد لذلك.

أولاً: التشريعات الإسلامية :

    أثبت الشرع للجنين حق النسب ، وجعله أهلاً لقبول الميراث والوصية وغلة الوقف وهو ما يستحقه الجنين بولادته حياُ ، وفي حالة الاعتداء عليه :

1-    أوجب الشرع في الجناية على جنين الحرة غرة، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة ” أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو وليده وقدر الفقهاء الغرة بنصف عشر الدية.

2-    وفي قول أغلب العلماء خلافاً لأبي حنيفة يجب على من يمارس الإجهاض الجنائي ولو أحد الوالدين كفارة ، لقوله تعالى : ” من قتل مؤمناً خطئاً فتحرير رقبة مؤمنة “.

والجنين إن ولد من مسلمين أو كان أحد أبويه مسلماً فهو محكوم بإيمانه تبعاً.

  ثانياً : ومن الواقع:

       لقد أثبتت الدراسات أن تعريض الحامل للإجهاض يعود عليها بويلات كثيرة ، بغض النظر عن الدوافع، ونوع الإجهاض ، فالإجهاض يؤدي على المستوى القريب إلى نزيف أو قصور كلوي حاد أو صدمة جرثومية أو الموت ، وعلى المستوى البعيد قد يؤدي إلى العقم أو الإجهاض المتكرر وأطفال الخداج وعسر الولادة واضطراب الدورة الشهرية وغيرها . هذا عدا عن الآثار النفسية على الأم بالشعور بالأسى والندم .

       ومع أن الإجهاض في مختلف دول العالم ، تقف خلفه دوافع قد تكون شخصية كالفقر وعدم الرغبة في كثرة الأولاد وحفظ جمال المرأة وانشغالها بالعمل ، والنفور من الذرية عند البعض ، وقد تكون تحسينية إذا كان الحمل تعرض لإنتانات تؤثر عليه أو تعرض للإشعاع أو لسموم وأدوية أو تنافر دم الزوجين ، أو دوافع أخلاقية نتيجة اللقاء اللا شرعي . إلا أن ذلك أو بعضه بدأ يتسرب إلى بلادنا .

     وإذا كان الأصل حرمة الاعتداء على الجنين بالإجهاض ، فهل لهذه القاعدة من اسثناءات يجيز الشرع مخالفتها ، هذا ما سيتم عرضه عبر المباحث الآتية :

  المبحث الأول: إجهاض الجنين في حالة تشكيله خطراً على أمه.

المبحث الثاني : إجهاض الجنين المشوه .

المبحث الثالث: إجهاض الجنين المتولد من الزنا والاغتصاب .

الخاتمة : وفيها أبرز نتائج البحث وأهم التوصيات

المبحث الاول :

إجهاض الجنين في حالة تشكيله خطراً على أمه

        قبل البدء في بيان حكم إجهاض الجنين في حالة تشكيله خطراً على أمه ، وقبل الشروع في توضيح ذلك لا بد من مقدمات .

    ولا بد أن تؤكد كلمة كثير من الفقهاء اتجهت للتفريق بين إجهاض الجنين قبل النفخ فيه، وبعد النفخ فيه . وهذا يستلزم منا أن نشير إلى موعد نفخ الروح في الجنين ، وبيان حكم الإجهاض قبل نفخ الروح وبعده.

    وقت نفخ الروح في الجنين:

       قرر جمهور الفقهاء أن نفخ الروح في الجنين يكون بعد مائة وعشرين يوماً من بداية الحمل، وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً ” إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد….” فهذه الرواية التي ذكرها الإمام البخاري رحمه الله ، تشير إلى أن نفخ الروح يكون بعد ثلاثة أربعينات.

       إلا أن رواية مسلم رحمه الله جاء فيها عن عبد الله بن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق :” إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك . ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد…”.

ويؤيدها ما أخرجه مسلم كذلك عن حذيفة  بن أسيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول :” أي رب أشقي أو سعيد ؟ فيكتبان ، فيقول: يا رب أذكر أو أنثى ؟ فيكتبان ، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ، ثم تطوي الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص.

     وقد اتجه بعض الباحثين إلى اعتبار حديث مسلم ، وحمل حديث البخاري عليه، باعتباره مدعماً بروايات عديدة بين صحيحة وحسنة ، وعن عدد من الأصحاب رضي الله عنهم فهي زيارة واحدة تكون في الأربعين ، أو في الأربعين، أو في الأربعين وبضعة أيام جمعاً بين الروايات، ويكون نفخ الروح في الأربعين وليس بعد مائة وعشرين يوماً، وينبغي أن تتبنى الأحكام على هذا التوقيت.

      وخلافاً لهذه النظرة فقد رأى باحثون آخرون أن نفخ الروح يكون بعد مائة وعشرون يوماً طبقاً لرواية البخاري، ومذاهب جماهير العلماء، وأن هناك إرسالين أو زيارتين للملك الأول في الأربعين أو الأربعين وبضعة أيام وفيها يتم تخليق الأعضاء ويتكون جذع الدماغ الذي فيه مراكز التحكم في التنفس والدورة الدموية والمراكز الحيوية، والثاني في نهاية الأربعين الثالثة وفيها يتم الاتصال بين المناطق المخية العليا الموجودة في قشرة الدماغ بالمناطق السفلى ، وبعد الشهر الرابع يكون بمقدور الأم الشعور بحركات الجنين، ويمكن للطبيب سماع دقات قلب الجنين ، ويبدأ الجنين بالنوم والصحو ويتخلق الدم من مخ العظام والكبد لا من الكيس المحي كما هو قبل ذلك.

        وقد جاء هذا موافقاً لتوفيقات ذكرها علماء الشرع السابقون ، فقد ذكر ابن قيم الجوزية رحمه الله أن لا تعارض بين رواية البخاري ومسلم ،كلاهما حق قاله الرسول الصادق، وغاية ما فيهما أنه تقدير بعد تقدير فالتقدير الأول عند انتقال النطفة أول أطوار التخلق، والثاني عند كمال خلقه ونفخ الروح، ثم قال :” فإن قيل : فكيف التوفيق بيت هذا – حديث مسلم في التصوير في الأربعين – وبين حديث ابن مسعود وهو صريح في أن النطفة أربعين يوماً نطفة … ثم أربعين يوماً علقة ثم أربعين يوماً مضغة ومعلوم أن العلقة والمضغة لا صورة فيهما ولا جلد ولا لحم ولا عظم .. والحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة بن أسد المتقدم .. ولا تنافي بين الحديثين بحمد الله.

      ” وهنا تصويران أحدهما تصوير خفي لا يظهر وهو تصوير تقديري كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب: مواضع القطع والفصل فيعلم عليها ويضع مواضع الفصل والوصل وكذلك كل من يصنع صورة في مادة لا سيما مثل هذه الصورة – ينشىء فيها التصوير والتخليبق على التدرج شيئاً بعد شيء لا وهلة واحدة كما يشاهد بالعيان في التخليق الظاهر بالبيضة- فههنا أربع مراتب.

   الأولى : تصوير وتخليق علمي لم يخرج إلى الخارج.

الثانية: مبدأ تصوير خفي يعجز الحس عن إدراكه.

                              الثالثة: تصوير يناله الحس ولكنه لم يتم بعد.

   الرابعة: تمام التصوير الذي ليس بعده إلا نفخ الروح .

        فالمرتبة الأولى علمية، والثلاث الأخر خارجية عينية. وهذا التصوير بعد التصوير نظير التقدير بعد التقدير فالرب تعالى قدر مقادير الخلالق تقديراً عاماً فبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف وهنا كتب الشقاوة والسعادة والأعمال والأرزاق والآجال … والثاني تقدير بعد هذا وهو اخص منه وهو التقدير عند القبضتين حين قبض تبارك وتعالى بيمينه وقال هؤلاء للجنة ويعمل أهل الجنة فيعملون وقبض أهل الشقاوة باليد لأخرى وقال هؤلاء للنار ويعمل أهل النار يعملون.. والثالث تقدير بعد هذا وهو أخص منه كما في حديث  حذيفة ابن أسيد المذكور والرابع تقدير آخر بعد هذا وهو عندما يتم خلقه وينفخ فيه الروح كما صرح به الحديث الذي قبله ( حديث ابن مسعود رضي الله عنه )

       وبعد هذا التحليل فلعل الأصوب أن يقال إن النفخ يكون بعد مائة وعشرون يوماً عندما تبدا الحركات الإرادية للجنين وهي التي تدل على وجود الإرادة ، والإرادة مرتبطة بالروح يقول ابن القيم : الجنين قبل نفخ الروح هل كان فيه حركة وإحساس أم لا ؟قيل كان فيه حركة النمو والإغتذاء كالنبات ولم تكن حركة نموه واغتذائه بالإرادة . فلما نفخت فيه الروح انضمت حركة حسيتة وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه”.

   ولا ينافي حصول النفخ بعد مائة وعشرين يوماً وجود التصوير والتخلق قبل ذلك.

حكم الإجهاض بعد نفخ الروح :

    إذا تقرر هذا، فما حكم الإجهاض بعد نفخ الروح ؟ وقد بدأنا بحكم الإجهاض بعد نفخ الروح لأنه محل اتفاق.

    فقد اتفق جمهور الفقهاء – ولا يعلم خلاف بينهم في ذلك – على تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح، ونصوا على أن الجنين إذا نفخت فيه الروح حرم الإجهاض إجماعاً ، وقالوا : إنه قتل إنسان وإزهاق نفس بلا خلاف وحجة العلماء في تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح في الجنين قوله تعالى ” ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ” فالجنين نفس محترمة والاعتداء عليها بالإزهاق حرام.

   حكم الإجهاض قبل نفخ الروح:

     لعل عدم ورود نص شرعي مباشر في هذه المسألة، وعدم وجود آراء محددة لأئمة المذاهب كان سبباُ في اختلاف أقوال العلماء في هذه المسألة، حتى تعددت آراؤهم في المذاهب الواحد. فكانت لهم اتجاهات مختلفة وأقوال متعددة.

    مذهب الحنفية:

      أباح فقهاء الحنفية في الراجح من المذهب الإجهاض قبل نفخ الروح، أي قبل مائة وعشرين يوماً، وعللوا ذلك انه ليس بآدمي، حتى لو ظهر فيه خلقة قبل هذه المدة وهو ما يوافق أحاديث في صحيح مسلم وغيره، ويذكره الأطباء، إلا أن العبرة بالنفخ.

      ويظهر أن إباحة الإجهاض في أقوال هؤلاء العلماء قبل نفخ الروح سواء أكان لعذر أم لا ، ولكن بشرط عدم تفويت حق الزوجين، فلا يجوز لأحد إسقاط الجنين إلا بموافقتهما، كما أن أحد الزوجين إن أسقط الجنين دون إذن زوجه كان عليه التعويض لتفويت حق الغير بغير إذنه وقيل لا يشترط إذن الزوج، كأن شربت الحامل دواء وأسقطت حملها دون إذنه .

    ونقل ابن عابدين عن بعض فقهاء المذهب تحريم الإجهاض قبل نفخ الروح، لأن الجنين مآله أن يصبح آدمياً بمشيئة الله كالمحرم لو كسر بيض صيد ضمنه لأنه أصل الصيد، فإن أجهضت الأم فلا أقل من أن يلحقها إثم إذا أسقطت بغير عذر، لكن من الأعذار أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر ويخاف هلاكه.

    وذهب بعضهم إلى القول بالكراهة، لأن الماء بعدما يقع في الرحم مآله الحياة فيكون له حكم الحياة وإباحة لإسقاط محمولة على حالة العذر أو أنها لا تأثم إثم القتل؟

     مذهب المالكية :

        ذهب جمهورهم إلى القول بحرمة الإجهاض قبل نفخ الروح في الجنين، قال الشيخ علبش:” وإذا أمسك الرحم المني فلا يجوز للزوجين ولا لأحدهما ولا للسيد التسبب في إسقاطه قبل التخلق على المشهور ولا بعده اتفاقاً “، وفي حاشية الصاوي على أقرب المسالك ” لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم وهو قبل الأربعين يوماً” وذهب اللخمي من علماء المالكية إلى القول بجواز الإجهاض قبل الأربعين.

مذهب الشافعية:

المعتمد في مذهبهم جواز إلقاء الحمل ولو بدواء قبل نفخ الروح فيه، وذهب الإمام أبو حامد الغزالي إلى تحريم الإجهاض في كافة مراحل الحمل، وجعل له مراتب في التحريم فقال” وليس هذا-أي العزل –كالإجهاض والوأد لأن ذلك جناية على موجود حاصل وله أيضاً مراتب وأول مراتب الوجود أن تقع المنطقة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة وإفساد ذلك جناية فإن صارت مضغة وعلقة فكانت الجناية أفحش وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلفة ازدادت الجناية تفاحشاً ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الإنفصال حياً ، وإنما قلنا مبدأ سبب الوجود من حيث وقوع المني في الرحم لا من حيث الخروج من الإحليل لأن الولد لا يخلق من مني الرجل وحده بل من الزوجين جميعاُ.

     مذهب الحنابلة :

     نقل المرداوي عن ابن الجوزي حرمة الإجهاض قبل نفخ الروح في جميع مراحل الجنين واختاره ابن تيمية .

     مع أن الراجح في المذهب إباحة الإجهاض في مرحلة النطفة لأنه لم ينعقد ، ومنعه في مرحلة العلقة لأنه ولد انعقد.

    وأجاز بعض العلماء الإجهاض قبل نفخ الروح مطلقاً.

   مذهب ابن حزم:

       قد يفهم من نقل ابن حزم عن علماء السلف تحريمه الإجهاض قبل نفخ الروح: عن ابراهيم النخعي أنه قال في امرأة شربت دواء فأسقطت ، قال تعتق رقبه وتعطي أباه غرة، قال أبو محمد –أيابن حزم- هذا أثر في غاية الصحة – قال علي : إن لم ينفخ فيه الروح فالغرة عليها وإن كان لم ينفخ فيه الروح فالغرة عليها وإن كان قد نفخ فيه الروح فإن كانت لم تعمد قتله فالغرة أيضاً على عاقلتها والكفارة عليها وإن كانت عمدت قتله فالقود عليها أو المقاداة في مالها ” وهذا تصريح من ابن حزم أنه يوجب القصاص في قتل الجنين عمداً بعد نفخ الروح، ويلحظ أنه اوجب الغرة قبل نفخ الروح، لكنه لم يصرح بتحريم الإجهاض.

 التحليل والترجيح:

       يظهر من العرض السابق أن جمهور المالكية والغزالي من الشافعية وابن الجوزي وابن تيمية من الحنابلة والظاهرية يرون حرمة الإجهاض من ساعة الحمل، وذلك خلافاً لجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة واللخمي من المالكية الذين أباحوا إسقاط الجنين في مرحلة الننطفة ، أو حتى في العلقة عند بعضهم، وفي مرحلة المضغة عند أغلب الحنفية والشافعية .

               ويظهر جلياً أن العلماء قد ميزوا بين الجنين الذي نفخ فيه الروح، والذي لم تنفخ فيه، على اعتبار حديث النبي صلى الله عليه وسلم الواضح بأن نفخ الروح يكون بعد مائة وعشرين يوماً، ولعل حديث النبي عليه السلام الذي يشير إلى نفخ الروح لم يأت عبثاً، وإنما جاء للتفريق بين حالتين قد ظهرتا لعلماء الشرع والطب بشكل واضح منذ زمن بعيد .

     فقد نقل ابن عابدين عن فقهاء الحنفية :” إنما يباح للمرأة استنزال الجنين قبل نفخ الروح لأنه ليس بآدمي ” أو أنه نفس من روحه دون وجه.

    وقال ابن رشد : ” واختلفوا من هذا الباب في الخلفة التي توجب الغرة”  والأجود أن يعتبر نفخ الروح فيه، أعني أي يكون تجب فيه الغرة إذا علم أن  الحياة كانت فيه ويقل القرطبي في تفسير قوله ( صلى الله عليه وسلم )” تنفخ فيه الروح” إن النفخ سبب خلق االحياة الإنسانية في الجنين، وأن هذا ما يحدث بإحداث الله تعالى “.

      ونقل الشوكاني عن الشافعي أنه كان يرى أن الجنين قبل أربعة أشهر لا يكون حياً، ولذلك لا يغسل ولا يصلى عليه ثم قال: وقد رجح في المصنف رحم الله تعالى هذا واستدل له فقال: قلت:وإنما يصلى عليه إذا نفخت فيه الروح وهو أن يستكمل أربهة أشهر، فأما إن سقط دونها فلا، لأنه ليس بميت إذا لم ينفخ فيه روح

           وأكد مثله ابن قدامة قائلاً وأما قبل نفخ الروح فلا يكون الجنين نسمة فلا يصلى عليه كالجمادات والدم .

   ورأى ابن قيم الجوزية أن للجنين حياتين:

     الأولى : كحياة النبات تكون معه قبل نفخ الروح وبعدها، ومن آثارها حركة النمو والاغتذاء غير الإرادية .

    الثانية: حياة إنسانية وتحدث في الجنين بنفخ الروح، ومن آثارها الحس والحركة الإرادية.

     وعليه فإن إسقاط الجنين قبل نفخ الروح لا يكون قتلاً لآدمي باتفاق الفقهاء، واسقاطه لعذر مقبول لا تأباه المذاهب، فعلى مذهب المبيحين فالأـمر واضح، وعلى مذهب القائلين بالتحريم فقد أجازوا الإسقاط لعذر كالخوف على الرضيع من الهلاك أو الخوف على الأم أوغير ذلك مما كشفه الطب الحديث .

    وإذا كان إسقاط الجنين قبل النفخ فيه لا يعد قتلاً لآدمي أو إزهاقاً لروحه، إلا أنه لا يجوز بلا عذر، ولا يباح مطلقاً للرغبة في إسقاطه، يؤيد ذلك ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكاً فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي كائناً قال: أي رب ذكر أو أنثى؟ شقي؟أو سعيد؟ فما الأجل؟ فما الرزق فيكتب كذلك في بطنه”.

   وقد أيد ذلك آيات كثيرة تؤكد خلق الإنسان من أطوار ، منها قوله تعالى:” ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغي مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرزل العمر ” فلو كان الإنسان هي تلك المراحل لما استقام المعنى فهو خلق للإنسان الكامل من الإنسان الناقص.

     وعليه فإن إسقاط الجنين قبل نفخ  الروح يعد إتلافاً وإفساداً، وقد حرم الله سبحانه إتلاف النافع، أو ما غلب نفعه على ضرره، والجنين المؤهل لنفخ الروح هو من الأمور النافعة، فيكون إسقاطه لغير حاجة محرماً، ولا دليل لمن أباح الإسقاط قبل النفخ، بل إن الأدلة قامت على حرمة الإسقاط ، فأوجب الشرع الغرة على من أسقط الجنين، والكفارة عند بعض الفقهاء، وأوجب الشرع تأخير تنفيذ الحدود على الحامل حتى تضع حملها، واعتبار أفضل الانصبة في الميراث للجنين حتى يولد.

  وقد اتجه لهذا الرأي من العلماء المعاصرين الدكتور القرضاوي والزحيلي والشيخ شلتوت وغيرهم . وهذا ما أميل إليه وأفتي به منذ عشرين سنة.

     هل يجوز إجهاض الجنين إذا شكل خطراً على حياة أمه:

          الذي يؤخذ من إطلاق الفقهاء تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح، أنه يشمل ما لو كان في بقائه خطر على حياة الأم وما لو يكن كذلك، وصرح ابن عابدين يذلك فقال: لو كان الجنين حياً ويخشى على حياة الأم  من يقائه فلا يجوز تقطيعه لأن موت الأم موهوم فلا يجوز قتل آدمي لأمر موهوم.

      فلا يجوز التضحية بنفس معصومة لإنقاذ نفس أخرى ، حتى لا يحل لمن أكره على القتل أن يقتل مهما بلغت درجة الإكراه، فإن قتل تحت وطأة الإكراه وجب عليه القصاص عند الجمهور، وأجمعوا على أنه لا يحل لمضطر أن يقتل غيره لإنقاذ نفسه من الهلاك المحقق، فلا سبيل لطرح آدمي لإنقاذ السفينة من الغرق ذكراً كان أو أنثى حرا أو عبدا لينقذ نفسه من الموت فحرمة الجنين بعد نفخ الروح فوق الضرورات والأعذار، ولا تخضع للقواعد عند تعارض الضررين كما يرى الفقهاء.

   إلا أ، اللجنة العلمية للموسوعة الفقهية الصادرة عن وزارة الأوقاف الكويتية رأـت جواز الإسقاط بعد نفخ الروح إذا شكل الجنين خطراً محققاً على الأم، لأنها الأصل وحياتها ثابتة بيقين، وينبغي مراعاة مقاصد الشريعة التي تأبى بقاء الجنين إذا ترتب عليه موت الأم، وبالتالي موته، ويمكن إخراج الجنين – إذا تعذر إجراء عملية قيصرية – أو ثقب رأسه.

      وقد رأى بعض الباحثين أن هذا الخروج على مذاهب الجماهير، ليس أمراً سهلاً . لان الفقهاء اعتمدوا على مقدمات لا يردها استثناء، وهي: أن الجنين بعد نفخ الروح يعد نفساً محترمة شرعاً، ويدخل في قوله تعالى ” ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق”.

وكذلك فإن النفس لا تفقد عصمتها كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا قتلت عدواناً أو زنت أو ارتدت عن الإسلام، كذلك فإن استدلال اللجنة على الجواز بثبوت حياة الأم بيقين وأن الجنين معرض للخطر أكثر من أمه ، فإن أحداً من الناس لا يمكن  أن يجزم ببقاء حياة الأمن وعليه فلا بد من مرجح يرجح حرمة نفس الأم على الجنين ، وقد يستأنس لذلك بالأمور الآتية:

1-    عدم وجوب القصاص على الأصل إذا قتل فرعه ولو معتمداً ومعتدياً فالأصل سبب في وجود الفرع فلا ينبغي أن يكون الفرع سبباً لإعدام أصله.

2-    إن قاتل الجنين أو متعمداً لا يقتص منه إذا سقط الجنين ميتاً وإن كان فعله محرماً.

3-    إن السادة الحنفية اعتبروا الجنين نفساً من وجه دون وجه، فلا يساوي النفس المولودة من حيث كونه جزءاً من أمه، ولا يعتبر نفساً محققة وإن كان أهلاً لوجوب الحق له من إرث ونسب ووصية.

ولكن الحنفية أنفسهم لم يرو تحليلهم صالحاً لجواز الإجهاض بعد النفخ وإن شكل المولود خطراً على أمه فقال ابن عابدين :” لأن موت الأم به موهوم فلا يجوز قتل آدمي حي لأمر موهوم”.

   فإذا صار الأمر محققاً مؤكداً بالطب الحديث اختلف الحكم وجاز الإجهاض عملاً بفتوى اللجنة العلمية لموسوعة الفقه.

  وقد جاء في قرار المجتمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة مايلي :” إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوهاً أم لا دفعاً لأعظم الضررين”. وقريب منه ما صدر عن لجنة الفتوى بالكويت عام 1984ز

   فقتل الجنين الذي يهدد مباشرة حياة الحامل – وهي حالات نادرة جداً- يدخل في حيز الاستثناء للإجهاض بعد نفخ الروح، ويؤكده قوله تعالى :” لا يكلف الله نفساً إلا وسعها “

وقوله :” لا تكلف نفس إلا وسعها ” ويعرف هذا الإجهاض طبياً باسم الإجهاض الطبي الشرعي.

     وتشكيل الجنين خطراً على أمه يكاد يكون  متعدماً ليوم بفعل التقدم الطبي . يقول الدكتور محمد البار في كتابه خلق الإنسان بين الطب والقرآن :” ولا أعلم أن هناك من الأمراض ما يجعل هلاك الأم محققاً إذا هي استمرت في الحمل … إلا حالة واحدة هي تسمم الحمل .. وحتى في هذه الحالة لا يحتاج الطبيب إلى قتل الجنين بل إجراء الولادة قبل الموعد المحقق إما بحقن الأم،، أو بإجراء عملية قيصرية، وأغلب هذه الحالات تسلم ويسلم وليدها معها .. ونتيجة للتقدم الطبي الهائل فإن قتل الجنين لإنقاذ الأم يصبح لغواُ لا حاجة له في اغلب الحالات المرضية.”

   وعلى كل فإذا جاز إجهاض الجنين بعد نفخ الروح إذا شكل خطراً محققاً على حياة أمه، فإجهاضه قبل نفخ الروح جائز من باب أولى، وقد ظهر ذلك جلياً في قرار مجمع الفقه الإسلامي ، وإجهاض الجنين بعد نفخ الروح لا يجوز لأي سبب آخر مهما بلغ ، إلا إذا شكل خطراً على حياة أمه.

   وهذا ما أميل إليه، وأفتي به منذ أكثر من عشرين سنة.

المبحث الثاني

“إجهاض الجنين إذا كان مشوهاً

  لم يذكر السادة الفقهاء القدامى حكم إجهاض الجنين إذا كان مشوهاً لانعدام الوسائل التي تكشف عن تشوه الجنين، وكانت دراستهم وأقوالهم تتحدث عن الإجهاض قبل نفخ الروح وبعده، وقد أشبعناها بحثاً واستفدنا منها في المبحث السابق في حكم إجهاض الجنين الذي يشكل خطراً على حياة أمه. وتباعاً لتلك الدراسة ويحسب تلك النتائج فإني سأقدم الرأي الشرعي لإجهاض الجنين المشوه.

   وبالرجوع إلى قرار مجمع الفقه الإسلامي وقرار لجنة الفتوى الكويتية وأقوال العلماء المنفقين مع القرارين، فغن إجهاض الجنين المشوه يعد من باب الحرام بعد نفخ الروح فيه.

    فالجناية على الجنين بعد نفخ الروح – استكمال أربعة أشهر – تعد جناية على طفل ” جنين”حي.

  أما إذا ثبت تشوه الجنين قبل أربعة شهور ، فهل يجوز إجهاضه ؟

أما إذا وقد ترجح في المبحث الأول عدم (حرمة) إجهاض الجنين قبل نفخ الروح، لحاجة ملحة أو ضرورة ، فما هو مستند هذه الضرورة.

    من مقاصد الشريعة الإسلامية:-

   لقد بات واضحاً – دون أدنى شك – لدى الباحثين في أحكام الشرع أن الشريعة الإسلامية جاءت للحفاظ على مجموعة من الضرورات والحاجات والتحسينات، والضرورات خمس هي:- “حفظ النفس،والدين والعقل، والعرض والنسل “، والمال”.

      وأمام هذه المقاصد التي يعتبر حفظ النسل واحداً من أعلى درجاتها ، فإنه لا بد من ملاحظة أن التشريعات لا بد أن تنضبط بها، والدين بكل تشريعاته وأحكامه إنما جاء لحفظ هذه المقاصد،  فالحفاظ على صحة النسل وقوته ينبع من هذه الضرورات .

  فإجهاض الجنين في حالة الضرورة نابع من الحفاظ على مقصدين من مقاصد الشريعة بشكل مباشر، هما حفظ النفس وحفظ النسل .

القواعد الفقهية

    ضاع علماء الشريعة مجموعة من القواعد الفقهية والمبادئ الكلية اقتبسوها من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، أو صاغوها من مجموعة من فروع الشرع في ناحية ما. وقد استفاد المنشغلون بأحكام الطب من مجموعة من هذه القواعد يمكن الاستفادة منها في الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه، من أهمها ” الضرر يدفع بقدر الإمكان” ” والضرر يزال ” ودرء المفاسد مقدم على جلب المنافع ” ” والضرورات تبيح المحظورات ” ” والحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة “

تشوه الجنين:-

      بالاطلاع على بعض الأبحاث والدراسات الطبية ، فإن أغلب الحالات، وتصل إلى 80% والتي لا يحدث فيها الحمل بعد التقاء الحيوان المنوي بالبيضة، تكون الحالة عبارة عن تكون غير سليم فلا تثبت في الرحم، وإذا حدث الحمل فإن نصف الحالات تنتهي بالإجهاض التلقائي خلال أشهر الحمل الثلاثة الأولى.

      ويتضح الأطباء بتجنب الأم مجموعة من المخاطر التي غالباً ما تؤدي إلى تشوه الجنين فيجب على الأم أن تحذر من الإصابة بالحمى وخاصة الحصبة الألمانية، وتمنع من استخدام الدواء بدون استشارة الطبيب، وتمتنع عن التدخين والريجيم والتعرض للأشعة، وننصح بعدم الحمل إن كانت مصابة بأمراض فقر الدم أو السكر.

    وطبقاً لحديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه الذي قال:” سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول: إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتصور عليها الملك ( قال زهير: حسبت قال : يخلقها ) فيقول : يا رب أذكر أو أنثى ؟ فيجعله الله ذكراُ أو أنثى، ثم يقول يا رب أسوي أو غير سوي؟ فيجعله الله سوياً أو غير سوي ثم يقول : يا رب ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خلقه؟ ثم يجعله الله شقياُ أو سعيداً.

     فعبارة ” يا رب أسوي غير سوي ” والتي يحسب الحديث تكون في حدود الأربعين يوماً تدل على أن الفترة الحرجة أو الحساسة هي في مثل هذا الوقت، ولقد اكتشف الطب أن هذه الفترة تمتد من الأسبوع الرابع وحتى السابع وإن كان حدوث التشوهات في الشهر الثالث نادراً ويمكن الاستفادة في ذلك من الأجهزة الحديثة.

 والتشوهات التي تصيب الجنين على درجات:

       منها  تشوهات تؤدي إلى وفاة الجنين، وهناك تشوهات خطرة تؤثر في نمو الجنين العقلي والجسمي بعد الولادة، وهناك تشوهات متعلقة بفقد بعض الحواس كالبصر والسمع وتظهر بعد الولادة

      على أن التشوهات التي تؤدي إلى قتل الجنين أو تؤدي إلى إنتانه وتعفنه تختلف في الحكم عن التشوهات التي لا تؤثر على حياة الجنين أو يمكن معالجتها بعد الولادة

  إجهاض الجنين المشوه قبل نفخ الروح:-

    إذا ثبت وجود تشوه في الجنين لا يرجى البرء منه، فلا مانع من حصول الإجهاض وفق ضوابط  محددة وقد جاء في قرار لجنة الفتوى بالكويت ما يلي:

     ” يحظر على الطبيب إجهاض امرأة حامل أتمت مائة وعشرين يوماً من حين العلوق إلا لإنقاذ حياتها من خطر محقق من الحمل.

    ويجوز الإجهاض برضا الزوجين إن لم يكن قد تم للحمل أربعون يوماً من حين العلوق.

وإذا تجاوز الحمل أربعين يوماً ولم يتجاوز مائة وعشرين يوماً لا يجوز الإجهاض إلا في الحالتين الآيتين:

إذا كان بقاء الحمل يضر بصحة الأم ضرراً جسيماً لا يمكن احنماله أو يدوم بعد الولادة.

وإذا ثبت أن الجنين سيولد على نحو جسيم بتشوه بدني أو قصور عقلي لا يرجى البرء منهما .

  وقد أكد جواز الإجهاض قبل نفخ الروح إذا كان الجنين مشوهاً تشويهاً غير قابل للعلاج المجمع الفقهي الإسلامي، فجاء في قراره: ” قبل مرور مائة وعشرين يوماُ على الحمل إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المخبرية أن الجنين مشوه تشويهاً خطراً غير قابل للعلاج وأنه إذا بقي  وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلاماً عليه وعلى أهله  فعندئذ يجوز إسقاطه بناء على طلب الوالدين، والمجلس إذ يقرر ذلك يوصي الأطباء والوالدين بتقوى الله والتثبت في هذا الأمر” ويمكن أن يلاحظ من خلال هذين القرارين، وأقوال أهل العلم، أن لإسقاط الجنين المشوه قبل نفخ الروح شروطاً:

أولاُ : أن يكون الإجهاض قبل نفخ الروح، أي قبل مائة وعشرين يوماً على التقاء الحيوان المنوي بالبييضة .

ثانياُ : أن يتم الإجهاض بإقرار الزوجين ورضاهما ، فإن رفضا الإجهاض لم يجز إلا إذا شكل خطراً على حياة أمه.

ثالثاً : أن يثبت بالوسائل المخبرية والأجهزة الحديثة أن الجنين مشوه تشويهاً خطيراً لا يمكن معالجته.

رابعاً : أن يثبت ذلك بقرار لجنة طبية لا تقل عن اثنين من ذوي الاختصاص.

خامساً : ويرى بعض الأطباء إلحاق الجنين الذي تعاني أمه من بعض الأمراض الخطرة التي تؤثر عليه بالجنين المشوه ومما ينبغي التنبه إليه في هذا المقام، ضرورة التزام الزوجين والأطباء بتقوى الله سبحانه.

     فلا يجوز فتح الباب على مصراعيه وإجهاض الأجنة لمجرد الشك أو للحالات التي يمكن معالجتها مع ضرورة تقدير الأعذار بإقرار من أهل الاختصاص الشرعي والطبي وكفايتها من الناحية الصحية والشرعية.

       على أن إجهاض الجنين المشوه بعد نفخ الروح يعد اعتداء على آدمي نفخ فيه الروح، فلا يجوز وتترك هذه الأجنة إلى أمر الله إن شاء أماتهم، وإن شاء أحياهم، ووجب على المجتمع التعامل معهم بتوفير علاجهم وخرطهم في المجتمع.

      كما ينبغي العلم أن إصابة الجنين بعد الولادة – أو قبلها واتضاح الأمر بعد الولادة- بالعمى أو الصمم أو البكم ليس من التشويه المعتبر ، فهي عاهات عرفت عبر التاريخ، لم تمنع أصحابها من الإنتاج بل الإبداع، والعلم لن يغير بوسائله وإمكانيته طبيعة الحياة التي أقامها الله على الابتلاء وهو القائل: ” لقد خلقنا الإنسان في كبد . و ” إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ” ولقد أسهمت التطورات العلمية في العصر الحاضر بتعليم المعوقين وتسهيل سبل العيش لهم حتى قدموا للحياة ما قدم الأسوياء بما عوضهم الله من مواهب وقدرات .

المبحث الثالث

” إجهاض الجنين المتولد من الاغتصاب والزنا”

         لقد كان الدافع وراء إجهاض الجنين في المبحثين السابقين عذراً طبياً أو صحياً، وفي هذا المبحث، ستتم دراسة دافع اجتماعي يمثل في حكم الشرع في إجهاض جنين نشأ عن اغتصاب أو زنا، وسيتم عرض ذلك عبر مطلبين:

   المطلب الأول: الإجهاض في حالة الاغتصاب.

   المطلب الثاني : الإجهاض في حالة الزنا .

المطلب الأول: الإجهاض في حالة الاغتصاب :

      تختلف حالة الاغتصاب عن الزنا بالنسبة للمرأة المغتصبة ، وبعد اغتصاب المرأة وطئاً بإكراه، ولا حد على مكرهة على زنا باتفاق العلماء لقوله تعالى ” وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ” وقوله ” فمن ااضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه” وقول النبي صلى الله عليه وسلم ” عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”.

      وعد بعضهم الإكراه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، ولا فرق بين الإكراه بالإلجاء وهو أن يغلبها على نفسها وبين الإكراه بالتهديد، فقد استكرهت امرأة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فدرأ عنها الحد .

   فإذا حملت المرأة بعد الاغتصاب فهل يجوز إجهاضه ؟ وهل يجوز مطلقاً، أو قبل نفخ الروح؟ او يجوز قبل التخلق في الأربعين ولا يجوز بعده؟

    والذي يمكن أن يؤخذ من إطلاقات القائلين بتحريم الإجهاض بعد نفخ الروح عدم جواز إجهاضه بعد النفخ لأنه آدمي له حرمة.

  ولعل الناظر في واقع الأمر يرى أن هذا عذر يجوز الإجهاض قبل نفخ الروح . وإن كان قبل الأربعين الأولى أقرب إلى الرخصة والجواز..

       وقد سئل الشيخ القرضاوي عن إجهاض أجنة تولدت بالاغتصاب في أرحام بعض البوسنيات من جنود الصرب، وفي نساء أرتيريا من جيش الجبهة الشعبية لتحرير أرتيريا، ونساء معتقلات في بعض البلدان فوضح أموراً:

1-    لا إثم على تلك النساء المكرهات تحت أسنة الرماح ووطأة السلاح، والله رفع الإثم عن المكره على الكفر وهو أشد من الزنا فقال: ” إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإ^يمان”

2-    إن تلك النساء يؤجرن على ما أصابهن من البلاء إذا تمسكن بالدين الذي امتحن من أجله واحتسبن ما نالهن من الأذى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا غم – حتى الشوكة يشاكها – إلا كفر الله بها من خطاياه”.

3-    إن الاغتصاب عذر يجيز للمرأة الإجهاض قبل نفخ الروح وإن كان قبل الأربعين الأولى فأقرب إلى الرخصة.

4-    إن تعليل العذر هو أن الجنين ثمرة لاعتداء غاشم من عدو فاجر كافر، وهي تكره الجنين وتريد التخلص منه .

5-    على أن من حق هذه المرأة أن تحتفظ بالجنين وتتركه ليعيش ويولد مسلماً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ” كل مولود يولد على الفطرة” والفطرة دين الإسلام والتوحيد، ويتبع الولد أمه المسلمة.

6-    وعل المجتمع المسلم رعاية هذا الطفل والإفاق عليه، والدولة مسؤولة عن إعداده ورعايته، وفي الحديث الصحيح ” كلكم راع وكلكم مسؤؤل عن رعيته “.

قلت : ولا يختلف الأمر فيما لو تعرضت المرأة لاغتصاب من مسلم أو كافر . والله أعلم .

المطلب الثاني : الإجهاض في حالة الزنا

        أما الامر في إجهاض الجنين الناشئ عن الزنا، فيختلف عن إجهاض الجنين المتولد من الاغتصاب، وإليكم بيان ذلك.

     ويؤخذ من إطلاق كلمة الفقهاء في تحريم الإجهاض للجنين مطلقاً سواء كان علوقه بماء حلال أو حرام.

          بل صرح علماء المالكية بذلك: ففي شرح الخرشي على مختصر الجليل ” وفي الجنين وإن علقه عشر أمه .. وهو من زوج حر أو رقيق أو زنا “.

وأكده الشيخ عليش لكن قيده إذا خافت القتل: قال ” وظاهر هما أيضاً ولو من ماء زنا – أي حرمة الإجهاض – وينبغي تقييده خصوصاً إن خافت القتل بظهوره”

      وأجاز بعض الشافعية ” إجهاض الجنين في مرحلة النطفة بل وحتى قبل نفخ الروح إن كان الحمل ثمرة زنى وقعت فيه المرأة . ويمكن أن يستدل لهذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم امرأة زنت دون طلب الاستيضاح منها إن كانت حاملاً أم لا ، ففي الحديث ” والذي نفسي بيده لأقضين بينكم بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس- لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها قال فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت “.

 والذي عليه جماهير العلماء للجنين ولو من الزنا حرمة، فلا يعتدي على أمه حتى تضعه، فلا يقام عليها حد رجم ولا يستوفى منها قصاص في النفس أو دونها.

   والأصل في ذلك أن امرأة من بني غامد جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرة بالزنا وهي حامل وقالت إنها حبلى فقال لها : ارجعي حتى تضعي ما في بطنك، فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت الغامدية فقال الرسول ” إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيراُ ليس له من يرضعه ” فقام رجل من الأنصار فقال: ألي إرضاعه يا نبي الله فرجمها”.

   ولقد قرر الفقهاء أنه لا يقام حد ولا قصاص على حامل حتى تضع ، حتى لو كان الحمل من الزنا، فإذا وضعت وكان حدها رجماً لم ترجم حتى تسقيه اللبأ، وإن لم يكن من يرضعه تركت حتى تفطمه، ومن ادعت الحمل صدقت عند بعضهم واستوثق عند آخرين، ورأى مالك انتظار المرأة حتى تحيض خشية وجود جنين.

وهذا وتحمل رواية أنيس على ما إذا لم يكن الحمل ظاهراُ، فإن كان ظاهراً لم ترجم، والعلة في عدم إقامة الحد أن في إقامته عليها في حالة حملها إتلافاً لمعصوم وهو الحمل ، ومن القواعد الأساسية أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وألا تصيب العقوبة غير الجاني، وفي إقامة الحد على الأم  سيبل لوفاة الوليد، وهو نفس معصومة وإن لم تكن أمه كذلك.

             وهذا مؤداه منع إجهاض الجنين من الزنا ، فإنه نفس معصومة، ولا ذنب له في الجناية عليه، إلا في حالة عذر، كما ذكر البعض المالكية إن خشيت القتل بظهوره، فتلقيه قبل نفخ الروح بل حتى الأربعين، وأخشى أن يكون إجازة ذلك تسهيلاً أو تشجيعاً على الزنا .

الخاتمة

     بعد الوصول إلى نهاية البحث، وعقب البحث في أمات كتب الفقه ومراجع الطب، أشير إلى أهم النتائج التي وصلت إليها:

1-    إن هناك فارقاً بين الإجهاض بعد نفخ الروح في الجنين وقبله، أساسه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخبر فيه عن تخليق الجنين ونفخ الروح فيه.

2-    إن وقت نفخ الروح في قول الجماهير أهل العلم من السابقين والمعاصرين بعد مائة وعشرين يوماً من الحمل.

3-    إن هناك زيارتين للملك: إحداهما على رأس الأربعين يوماً أو الأربعين وبضعة أيام، والثانية بعد مائة وعشرين يوماً .

4-    إن عناية الملك بالنطفة تكون منذ اللحظة الأولى للحمل، حيث بإذن الله للملك بمتابعة الجنين ليكون نطفة ، علقة ،… سوياً أو غير سوي، ذكراً أو أنثى، وما يتعلق بعدها بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد .

5-    لا يحل الإجهاض بعد نفخ الروح في الجنين إلا إذا ثبت بشكل مؤكد، لا مجال للشك فيه أن للجنين أثراً في تهديد حياة أمه، والاستغناء عن الفرع وهو الجنين.

6-    إن التشوه في الجنين لا يجيز إسقاطه بعد نفخ الروح، ويجوز قبل نفخ الروح إذا كان تشوهاً خطراً لا يمكن علاجه ويشكل عبئاً على أهله .

7-    إن حياة الجنين في بطن أمه بعد نفخ الروح تختلف عنها قبله، وإن اتصف بالآدمية بعد النفخ في الروح، فهو أقرب إلى الحياة النباتية قبل نفخ الروح.

8-    إن دراسة هذا الموضوع لا تنفك عن النظر في قواعد الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة الإسلامية بمراتبها المختلفة .

9-    يجوز إسقاط الجنين المتولد من الاغتصاب . قبل نفخ الروح فيه.

10-                        لا يجوز إجهاض الجنين المتولد من الزنا ، إلا إذا خافت الحامل على نفسها القتل .

11-                        إن الأعذار المبيحة للإجهاض يمكن الأخذ  بها في الجنين الذي لم ينفخ فيه الروح، خلافاً للجنين الذي يشكل خطراً على حياة أمه فقط ، فيراعي في كل وقت .

التوصيات

1-    أوصى الأطباء بتقوى الله، وعدم فتح الباب على مصراعيه في موضوع الإجهاض، والكف عن الجري وراء الدعوات التي تدعو للإجهاض وتغذيه، فإن للإجهاض خطراً على الأم، كما أن فيه مخالفة للشرع إن تجاوز ما ذكرنا .

2-    أوصي الآباء والأمهات بالرضا بما كتب الله، وعدم السماح لأنفسهم بقتل أولادهم بعد العلوق، ولهم سعة في تنظيم النسل .

3-    أوصي بتشكيل لجنة شرعية طبية في كل محافظة، يحيث لا يتم الإجهاض في حالات التشوه والأمراض إلا بقرار صادر عنها، بناء على تقرير طبي موثق، وأن تدرس كل حالة على حده.

4-    أوصي باستخدام أخر التطورات التقنية في مؤسساتنا الصحية والمستشفيات والتي تسهم في عدم خروجنا عن خط الشرع.

5-    أوصي الدولة برعاية الأطفال غير الشرعيين، وتفعيل ذلك.

وفي الختام ،، أتمنى أن أكون وفقت لطرح ما فيه الصواب، فإن أحسنت فمن الله، وإن أسأت فمن نفسي، والحق أحق أن يتبع.

والله الموفق سبحانه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

طفل الأنابيب والمشروعة

       من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ النسل، ومن أهداف الزواج في الإسلام، تحقيق النوع الإنساني المتمثل بالإنجاب ودوام التناسل، والإنسان مدني بطبعه. هذا وقد رغب ديننا الإسلامي العظيم في الزواج انسجاماً مع الفطرة الإنسانية التي فطره الله فيقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: ” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج”. كما رغب الإسلام في التكثير من النسل والذرية، وبارك الأولاد ذكوراً وإناثاً، واعتبرهم هبة ومنحة ونعمة من الله سبحانه وتعالى، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم:” تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم”.

الخلية وقدرة الله

    ينبغي أن نقرر بادئ ذي بدء، أن الحياة في الخلية منوطة بقدرة الله عز وجل، ويستحيل على الإنسان أن يخلق الخلية رغم صغر حجمها، كما يستحيا على الإنسان أن يوجد الحياة في الخلية، وقد سبق لعلماء علم الأحياء أن توصلوا إلى معرفة مكونات الخلية وتركيباتها، ولكن أنى الإنسان أي يخلق هذه الخلية أو أن يوجد الحياة في أجزائها، لذا اضطر علماء الأحياء من غير المسلمين أن يعرفوا الحياة بأنها سر من أسرار الكون.

         ورغم التقدم العلمي إلا أن العلماء بمختلف تخصصاتهم وقفوا عاجزين عن معرفة كنه الحياة وحقيقتها . والله عز وجل يقول” ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً “. هذا ويمكن للإنسان جمع عدة أجزاء حيوية وتركيبها معاً فلا غرابة في ذلك لأن الحياة موجودة في هذه الأجزاء أصلاَ، وإن خصائص الأجسام الحيوية متوفرة مسبقاً قبل البدء بالعمليات الكيماوية والمخبرية، فالعبرة فيمن أوجد هذه الخصائص الأولية في الأجسام المتناهية في الصغر، إن الله العلي القدير وحده لا شريك له . والقائل ” إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون”. ويقول جلت قدرته في آية أخرى:” وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين”.

الإنجاز العلمي وطفل الأنابيب

    إن طفل الأنابيب، كما أعلن عنه علمياً ومخبرياً، هو عبارة عن إخصاب بييضة المرأة بالحيوان المنوي للرجل في الأنبوب المخبري الذي يتوفر في جو مناسب من درجات الحرارة مع بعض المواد الكيماوية المشابهة للمواد الموجودة في رحم المرأة ثم تنتقل هذه البييضة المخصبة إلى رحم المرأة لتمكث مدة الحمل المعروفة.

     وعليه فإن الإنجاز الذي قام به الأطباء والمخبريون والمتخصصون يتمثل في عملية” الإخصاب” من بييضة حية مع حيوان منوي حي ، والقدرة على إعادة البييضة المخصبة إلى رحم المرأة، بالرغم من أن هذا الإنجاز العلمي يعتبر إنجازاً علمياً متقدماً مفيداً للبشرية إلا انه لا يعتبر خلقاً ولا إيجاداً للإنسان ، كما يتوهم البعض، وذلك لأسباب كثيرة من أهمها :

1) يستحيل على الغنسان أن يوجد خلية واحدة ذكرية أو أنثوية.

2) أن الحياة الموجودة في الخلية هي من خلق الله سبحانه وتعالى، واعترف بهذه الحقيقة علماء الأحياء قديماً وحديثاً .

3) إذا كانت الخلية الذكرية أو الأنثوية ميتة لا حياة فيها فإنها لا تصلح للإخصاب ، ولا يستطيع العلماء أن يوجدوا الحياة فيها.

4) بعد إجراء عملية الإخصاب – بين الحيوان المنوي والبييضة – فإن البييضة المخصبة تمكث مدة الحمل في رحم المرأة ، وليس خارج الرحم ، لأن الجنين لا يستطيع أصلاً أن يعيش خارج رحم المرأة لحظات ، وإذا سقط الجنين أو أسقط من الرحم يستحيل إعادته إلى الرحم، ومن المؤسف أن بعض العامة من الناس يتوهمون بأن طفل الأنابيب يمكث تسعة أشهر في الأنبوب ، والصحيح أن البييضة بعد إخصابها تنقل من الأنبوب مباشرة إلى رحم المرأة لتمكث فيه المادة المعلومة التي يحتاجها الجنين، وهي تسعة أشهر غالباً.

   الخاتمة والتكييف الشرعي

    ما من شك أن فكرة طفل الأنابيب هي فكرة رائدة قد ساهمت في حل عدة قضايا إنسانية ونفسية واجتماعية وإنجابية كما ساهمت في حفظ وتوطيد العلاقات الزوجية في المجتمع، وهي فكرة عملية وعلمية لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية السمحة شريطة أن يكون الحيوان المنوي من الزوج وأن تكون البييضة من زوجته فقط. وأن يتولى عملية الإخصاب أطباء ثقات.

وان الشريعة الإسلامية قد حثت على العلاج من الأمراض، ودعت إلى الأخذ بالأسباب، وأن طفل الانابيب يعتبر علاجاً من الأمراض وأخذاً بالأسباب وهذا ما أرجحه وأتبناه  وأفتي به.

وفوق كل ذي علم عليم، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

زرع الأعضاء والتشريح

المقدمة

     الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

      نظراً لتطور علم الطب في الفترة الحالية، وتطور وسائل الحياة والاختراعات العلمية الجديدة فقد برزت على السطح قضايا زرع الأعضاء واستبدالها، وكذلك ما يتعلق بالتشريح، فكان لزاماً علينا أن نوضح رأي الإسلام، هذا الدين العظيم الصالح لكل زمان ومكان، في هاتين القضيتين، وذلك بإصدار فتوى شرعية بشأنهما، فأقول وبالله التوفيق .

حفظ الأنفس والأبدان

لقد حثت الشريعة الإسلامية  على حفظ الأنفس والأبدان، وشجعت على ضرورة العناية بالناس وبصحتهم، قال سبحانه وتعالى ” وإذا مرضت فهو يشفين”. وقال رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم ” تداووا عباد الله، فإن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل معه شفاء، إلا الموت والهرم”. هناك رواية أخرى ” تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء”.

       ومن خلال مقاصد الشريعة الإسلامية  السمحاء فإن علماء أصول الفقه قد أشاروا إلى الضرورات الخمس التي لا بد من حمايتها والمحافظة عليها في أي مجتمع إنساني، وهذه الضرورات هي الدين، والنفس (الروح)،والعقل، النسل (العرض)، المال.

زراعة الأعضاء واستبدالها

     من خلال دراسة النصوص الشرعية ومقاصدها العامة نستطيع القول : إن زراعة الأعضاء في جسم الإنسان من الأمور المباحة والجائزة شرعاً من حيث المبدأ، مع مراعاة النقاط الآتية:

1)   إن جسم الإنسان أمانه لديه لا يجوز له الإهمال فيه، بل يتوجب عليه أن يحافظ على هذا البناء الإلهي لتحقيق غاية وجوده في هذه الدنيا، وهي عبادة الله رب العالمين، والالتزام بأحكام الشرع الحنيف.

2) إن الله تبارك وتعالى كرم الإنسان حيث قال ” ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر”.

وهذا يقتضي أن يحافظ الإنسان على هذه الكرامة لنفسه وغيره من خلال الضوابط الآتية :

أ) حرمة بيع أعضاء الإنسان في حالة حياته أو بعد وفاته، فالإنسان أسمى من أن يعرض هو أو أي جزء منه للبيع ، وذلك لكرامته.

ب) حفظ كرامة الإنسان أثناء العلاج وخلال نقل الأعضاء أو أثناء التشريح .

ت) الالتزام بالأحكام الشرعية والآداب العامة في مراحل المرض والعلاج كلها .

3) جواز التبرع بأعضاء الجسم حسبة لله تعالى، وذلك مساعدة للآخرين من المرضى على استمرارية حياتهم والتخفيف من معاناتهم، دون التأثير على المتبرع إذا كان حياً، مع الإشارة إلى حرمة التبرع بأي عضو ليس له بديل في جسم الإنسان كالقلب والطحال والمعدة والأنف واللسان على سبيل المثال، فالتبرع يكون من الأعضاء التي يوجد منها أكثر من عضو واحد في الجسم مثل : الكلى والأصابع، شريطة أن تستمر الحياة طبيعية بما تبقى من الأعضاء لدى المتبرع .

4) حرمة التبرع بالأعضاء ذات الحساسية المعينة كالأعضاء التناسلية أو أجزائها، وذلك سداً للذرائع ومنعاً لتسرب الشك في النفوس بشان النسل والانساب، وحفاظاً على العفة والطهارة والقيم النبيلة.

5) يجوز للإنسان أن يوصي في حياته بالتبرع بأعضائه بما في ذلك التبرع بقرنية العين، كما يجوز لأهل المتوفى وفق المعايير والمحاذير الشرعية.

6) لا يجوز اللجوء إلى زراعة الأعضاء البشرية إلا إذا تعذر العلاج من خلال الأعضاء الصناعية أو أعضاء الحيوانات ما عدا الخنزير لنجاسته، وسبق أن أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة تركيب انف من الذهب لأحد الصحابة الذي بتر أنفه، وكذلك أجاز تركيب أسنان من الذهب أو الفضة بدلاً من الأسنان الأصلية التالفة.

   أما إذا تعذر استخدام أعضاء صناعية أو أعضاء حيوانية فإنه يلجأ إلى استعمال الأعضاء البشرية وفق المعايير المشار إليها.

تشريح الإنسان

لفد راعى ديننا الإسلامي العظيم حاجات الإنسان بشكل عام منذ خمسة عشر قرناً، واهتم كثيراً بالضروري منها كالطب والعلاج، حتى إنه أباح كشف العورة لهذه الغاية وفق نظام دقيق انسجاماً مع القاعدة الفقهية التي تقول”الضرورات تبيح المحظورات” مع رقابة القاعدة الفقهية الأخرى التي تنص على أن ” الضرورة تقدر بقدرها”.

   وعلى هذا الأساس يجوز شرعاً إجراء الفحوصات الطبية للإنسان ذكراً أو أنثى، كما ويجوز شرعاً التشريح بهدف اكتشاف الأمراض وإيجاد العلاجات اللازمة ، والكشف عن تكوين جسم الإنسان وما أودع الله عز وجل فيه من أسرار ” وفي أنفسكم أفلا تبصرون “. مع الإشارة إلى أن التشريح قد قام به سلفنا الصالح منذ قرون حين تقدم علم الطب لديهم.

تدريب الطلاب

      يجوز التشريح أيضاً لغايات تدريب طلاب كلية الطب وكلية الحقوق، ويجوز التشريح أيضاً بهدف الكشف عن الجريمة ومعرفة أسباب الوفة ووقتها حتى لو كان ذلك بعد الدفن، وذلك للغايات الطبية والقضائية وأي غاية مشروعة أخرى مع مراعاة أن تكون جثة الميت في مكان مصون مغلق لا يدخله إلا الأطباء أو طلاب كلية الطب، أو كلية الحقوق، أو مدعي النيابة العامة، وهذا ما يعرف في الجامعات بعلم الطب الشرعي.

    ولا بد من التأكيد على أن هذا التشريح لا يعتبر تمثيلاً للميت،لأن التمثيل المحرم بحق الميت يكون بقصد الاعتداء والإهانة والتحقير والتشفي والانتقام وإلقاء جثة الميت في العراء، وهكذا، أما التشريح فهو جائز شرعاً وفق المعايير الشرعية التي تحفظ كرامة الإنسان حياً أو ميتاً، في حين أن التمثيل حرام شرعاً وهو منهي عنه سواء كان التمثيل في جثة مسلم أو غير مسلم.

   هذا عرض موجز بشأن زراعة الأعضاء وبشان التشريح، مع إصدار الفتوى الشرعية المتعلقة بهما .

                                 والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل وارزقنا اليقين

وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

جرائم الزنا والإغتصاب

المقدمة

         جاءت الشريعة الإسلامية الغراء لتنظيم علاقات الإنسان: مع الله سبحانه وتعالى، ومع نفسه، ومع الآخرين. وذلك ليكون المجتمع منتظماً ومتوازناً، ومن خلال هذه العلاقات حافظ الإسلام على أعراض الناس جميعهم، فيقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم:” كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه”. فالحفاظ على الأعراض من ضرورات الحياة لا يستقيم أي مجتمع بدونها. كما وضع الإسلام الأسس السليمة لبناء الأسرة على الطهر والعفة، وسلامة النسل وصونه من الفساد والأمراض، وحفظ النسب من الفوضى والاختلاط .

 تحريم الزنا

          من هنا حرم الإسلام المعاشرة الجنسية غير المشروعة بأنها زنا فيقول عز وجل في تحريم الزنا: ” وحرم ذلك على المؤمنين”. بل حذر الإسلام من الاقتراب منه للتشديد على حرمته بقوله سبحانه وتعالى :” ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً. والمراد بعدم الاقتراب من الزنا هو عدم القيام بأي عمل فيه شبهات وإغراءات وافتنان مثل: إقامة النوادي الليلية وحفلات الرقص والغناء والاختلاط وشرب الخمر وتعاطي المخدرات، لأن مثل هذه التصرفات قد تؤدي بالنتيجة إلى ارتكاب جريمة الزنا، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج.

عقوبة جريمة الزنا

       لقد نص القرآن الكريم على أن الزاني إذا كان غير متزوج فإنه يجلد مائة جلدة وذلك بعد أن يعترف الزاني بجريمته أو أن يشهد عليه أربعة شهود. أما إن كان االزاني محصناً أي أنه كان متزوجاًُ حينما ارتكب جريمة الزنا فإنه يرجم حتى الموت، لأن عمله المشين قد هدم أسرة في المجتمع وخان الحياة الزوجية وشتت الأولاد فيأخذ حكم الإفساد في الأرض.

جريمة الاغتصاب

     المراد بالاغتصاب هو وقوع الزنا من طرف واحد، وأن الطرف الآخر يكون معتدى عليه ومكره. وما من شك أن عقوبة الاغتصاب في الدنيا تكون أشد وأنكى، ويترك لولي الأمر في تقدير عقوبة أخرى لمرتكب الاغتصاب بالإضافة إلى العقوبة المقدرة والمقررة بحق الزاني والزانية. فإن كان مرتكب جريمة الاغتصاب محصناً أي متزوجاً فلا بد من إنزال عقوبة القتل عليه – من باب أولى – لأن الزاني المحصن عقوبته القتل فكيف إذا كان هذا الزاني مغتصباً لفتاة قاصرة أو معاقة أو استعمل المواد المخدرة من خلال الخداع والتمويه وغير ذلك من الأساليب الشيطانية، أما إن كان مرتكب جريمة الإغتصاب غير متزوج أصلاً فإن ولي الأمر يقدر النتائج التي ترتبت على هذه الجريمة، وأرى وأفتي أنه لا مانع شرعاً من أن تصل العقوبة إلى القتل.

عقوبة أخرى في الدنيا

    ألم يعلم الزناة والمغتصبون أن فضحهم لأعراض غيرهم سيؤدي إلى فضح أعراضهم في الدنيا فيقول عليه الصلاة والسلام:” يل معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته،ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله”، أي أن الله سبحانه وتعالى يفضحه حتى ولو اختبأ في بيته خوفاً من العقاب.

وللإمام الشافعي رضي الله عنه بيتان من الشعر يبين فيهما أن الزنا عبارة عن دين في ذمة الزاني فيقول:

عفواً تعف نساؤكم في المحرم          وتجنبوا ملا يليق بمسلم

إن الزنا دين فإن أقرضته كان      الوفا من آل بيتك فاعلم

الإيمان والزنا

       إن الله عز وجل يتوعد مرتكب جريمة الزنا بأشد العذاب في الدنيا والآخرة، وحسب الزاني أنه يفقد إيمانه حين ارتكابه لهذه الجريمة فيقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم ” لا يزني أنه يفقد إيمانه حين ارتكابه لهذه الجريمة فيقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم ” لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن”.

        فالإيمان هو الذي يحمي المسلم من الوقوع في هذه المحرمات والموبقات، فما بال الزناة لا يقدرون خطورة أمرهم، ما بالهم وقد قطعوا صلتهم بالله سبحانه وتعالى ورضوا على أنفسهم لا يقدرون خطورة أمرهم، ما بالهم وقد قطعوا صلتهم بالله سبحانه وتعالى ورضوا على أنفسهم أن يعيشوا في الدنيا كما تعيش الحيوانات بل ادنى من ذلك لقوله عز وجل:” أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون” فلا لقاء بين الإيمان وبين الزنا والاغتصاب، وأن الزناة والمغتصبين هم وحوش وذئاب في شكل إنسان، فإن هربوا من عدالة القضاء فلن يهربوا من غضب الناس، وإن هربوا من غضب الناس، فلن يقتلوا من عقاب الله عز وجل,.

          إنه من الأمور البدهية أن الإسلام يمثل منهجاً متكاملاً لمختلف مناحي الحياة بما في ذلك نظام الأسرة الذي ينظم العلاقة الطاهرة والعفيفة الصريحة الواضحة بين الزوجين، وأنه لا مخرج من الانحرافات السلوكية ومن الجرائم اللا أخلاقية في مجتمعاتنا إلا بالإيمان الصادق والسلوك السليم والخلق القويم. كما ينبغي أن يقتصر الأزواج على زوجاتهم، والزوجات على أزواجهن فقط. وأن يبتعد الشباب والشابات عن أي تصرف مشين قد يؤدي إلى الوقوع في جريمة الزنا. وأطالب جميع المخلصين الذين يحرصون على أخلاق والأمة ومصدر قوتها وعزتها أن يمنعوا دواعي الفتن ومبررات الانحراف.

ففي ظلال المنهج الإسلامي تعيش الأسرة حياة سعيدة هانئة مطمئنة.

                                    والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

احذروا الإيدز,..الطاعون الجديد

المقدمة

               لقد خصصت منظمة الصحة العالمية يوم 1/12 من كل عام للتركيز على مكافحة مرض (الإيدز) وبيان مخاطره، ولكن هيهات للقائمين على معالجة ومكافحة هذا المرض الخبيث   أن ينجحوا في مقاومته، ولن ينجحوا؟؟؟ ففي كل يوم لا يخلو من وقوع إصابات بهذا المرض والذي عرف بالطاعون الجديد، واستناداً إلى تقرير منظمة صندوق الأمم المتحدة للسكان فإنه يصاب بهذا المرض ستة آلاف مواطن يومياً، وإن عدد الذين أصيبوا حتى نهاية عام 2003 بلغ أربعين مليون شخص في العالم.

اكتشاف هذا المرض

      لقد ظهر هذا المرض أول ما ظهر في أمريكا، بلد الحريات المنفلتة والإباحات الجنسية، وذلك عام 1981، وقد اطلعت مؤخراً على تقرير خطير صادر عن منظمة إنسانية دولية تعرب عن قلقها لانتشار مرض الإيدز بشكل واسع وما يترتب على هذا المرض من سلبيات كثيرة، منها تزايد عدد الأيتام من أبناء ضحايا هذا المرض الفتاك وبخاصة في إحدى المقاطعات في وسط إفريقيا، وإن هناك مئات الآلاف في أمريكا ينتظرون نحبهم بالموت البطيء، من هذا المرض الذي ينتج عن ممارسة الزنا واللواط والسحاق والممارسات الجماعية للجنس والزواج التجريبي ( أي ممارسة الجنس قبل إجراء عقد الزواج) ومن خلال المومسات وتعاطي المخدرات ويطلق الأطباء على هذا المرض اسم ( فقدان المناعة ) أي أن هذا المرض اللعين يحطم جهاز المناعة في جسم الإنسان ويتركه فريسة سهلة لجميع الفيروسات، فلا يستطيع جسم الإنسان مقاومة أي مرض من الأمراض، وبالتالي فإن الفيروسات ( الجراثيم القاتلة ) تقضي على المصاب بهذا المرض بموت بطيء وبنهاية غير حميدة.

العدوى من هذا المرض

      إن مرض الإيدز من الأمراض المعدية وينتقل للآخرين، وبخاصة أنه ينتقل للأطفال عن طريق الدم واللعاب والدموع.

     وأوضحت هذه المنظمة الإنسانية الدولية أن سبب انتشار مرض الإيدز يعود إلى إقامة علاقات جنسية مع أكثر من شريك واحد ؟؟ أي ما يعرف بالفوضى الجنسية والتي تكون خارج نطاق الأسرة، وإن هذه المنظمة تطالب الناس وتنصحهم بالكف عن هذه الممارسات والابتعاد عن المومسات. ويمكن تلخيص طرق العدوى كالآتي:

1. الزنا والاتصلات الجنسية الشاذة كاللواط والسحاق.

2. انتقاله عن طريق الدم واللعاب والدموع.

3. العدوى عن طريق الحقن والمخدلرات.

الحضارة الغربية ومرض الإيدز

       لا ننكر للحضارة الغربية من تقدم مادي وتقني وتكنولوجي ، ولكنها أهملت الجانب الروحي والأخلاقي والسلوكي، فهي لم تتمكن من التوفيق بين المادة والروح. هذا ما أكده الرئيس الامريكي الأسبق جون كندي قبل عام 1962 حين قال: ( إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعاني من أزمة مادية وإنما تعاني من أزمة روحية، لقد وجدنا أنفسنا أغنياء في السلع ولكننا فقراء في الروح..)، كما يتعرض الرئيس الأسبق كندي إلى الشذوذ الجنسي لدى الشباب بقوله: ( إن مستقبل أمريكا في خطر لأن شبابها مائع منحل غارق في الشهوات، لا يقدر لمسؤولية الملقاة على عاتقه، وإنه من بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة منهم غير صالحين لأن الشهوات التي اغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية)| . ويقول الكاتب جورج بالوشي في كتابه الثورة الجنسية ( إن أطناناً من القنابل الجنسية تنفجر كل يوم، ويترتب عليها آثار تدعو إلى القلق قد لا تجعل أطفالنا وحوشاً أخلاقية فحسب بل وقد تشوه مجتمعات بأسرها)، هذه التصريحات التي توضح الأخطار المحدقة بالمجتمعات الغربية نتيجة الشذوذ الجنسي، والإباحات اللاأخلاقية.

الإسلام وحماية المجتمع

       إن ديننا الإسلامي قد وفق بين متطلبات المادة والروح بحيث لا يطغى جانب على آخر فيقول سبحانه وتعالى:” وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك”. كما أعطى الإسلام عنايته إلى حفظ الأعراض وصونها وحث على العفة والطهر والاستقامة . ورغب بالزواج لقوله عز وجل: ” ومن آيته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”.  ولقول الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم :” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج”. فالإسلام يحرص على سلامة المجتمع ونظافته من خلال بناء الأسرة الصالحة، كما يحرص على حملية المجتمع وتماسكه من خلا تحريمه للزنا وللموبفات والانحرافات.

الإسلام مواكبة الفطرة

       من الأمور البديهية بأن ديننا الإسلامي العظيم هو دين الفطرة لأنه الدين الذي يواكب حاجات الإنسان الأساسية. إنه دين يقر ويعترف بوجود ( غريزة الجنس لدى الإنسان) فلا ينكرها عليه ولا يكبتها، وبالمقابل فإن الإسلام لا يترك الغريزة الجنسية منفلتة وإنما يهذبها ويضبطها ويرسم لها الطريق السليم الشريف لإشباعها وذلك عن طريق الزواج الذي يحفظ النسل من الفساد والأمراض، وأنه يحمي النسب في المجتمع من الفوضى والاختلاط والإباحية. وعلى ضوء ذلك فقد حرم الإسلام المعاشرة الجنسية غير المشروعة أي حرم كل معاشرة جنسية خارج نطاق الحياة الزوجية، واعتبر هذه المعاشرة بأنها زنا لقول الله رب العالمين في تحريم الزنا: ” وحرم ذلك على المؤمنين”.

      بل حذر الإسلام من الاقتراب من الزنا للتشديد على حرمته يقول الله عز وجل ” ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلاً”.

     وتشير الإحصاءات الدولية أن نسبة 90% من المصابين بمرض الإيدز كانت نتيجة الزنا. وهنا تبرز أهمية تحريم الزنا في الشريعة الإسلامية .

عاقبة الزنا والفواحش

       يكفي الزاني إثماً أنه يفقد إيمانه حين ارتكابه هذه الجريمة لقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم:” لا يزني الزاني وهو مؤمن “. كما حرم الإسلام اللواط ( معاشرة الرجل للرجل)، والسحاق ( مباشرة الأنثى للأنثى ) واعتبرهما من الكبائر، وكما هو معلوم أن الله عاقب قوم لوط بالتدمير بأن جعل عالي القرية وسافلها وأمطر عليهم حجارة من طين وذلك بسبب انحرافهم عن نهج الله لقويم وبسبب شذوذهم الجنسي. أما عقاب لله عز وجل لهؤلاء الشاذين لهذه لأيام أنه ابتلاهم بمرض الإيدز وهو أشد من عقاب قوم لوط ؟؟ لماذا؟ المفسدين والشاذين من قوم لوط قد ماتوا وقتلوا بضربة واحدة وبطريقة سريعة.

      أما الشاذون المصابون بمرض الإيدز في هذه لأيام فإن الموت بأكلهم على مراحل وبطريقة يطيئة أي أنهم يتعذبون لفترة طويلة لان هذا المرض العين يحطم جهاز المناعة في جسم الإنسان ويتركه فريسة سهلة لجميع الفيروسات، وبالتالي فإن هذه الفيروسات تقضي عليه بنهاية غير حميدة.

الخاتمة

   إن من الأمور البديهية أن الإسلام عبارة عن منهج متكامل لمختلف مناحي الحياة، بما في ذلك نظام الأسرة الذي ينظم العلاقة الواضحة والصريحة والطاهرة بين الزوجين. وإن علماء وأطباء الغرب الذين يحاولون معالجة المصابين بمرض الإيدز لن يفلحوا ولن يتوصلوا إلى نتائج إيجابية في مكافحة هذا المرض، وإنهم يواجهون أخطر التحديات في تاريخ الإنسانية ما دامت الانحرافات السلوكية والأخلاقية شائعة ومباحة في أمريكا وغيرها من الدول الغربية. بل إن عدداً من هذه الدول قد أشاذت الشذوذ الجنسي ( اللواط ) وأصدرت قوانين بإباحته وحماية هؤلاء الشاذين .

     وعليه فغنه لا علاج لهذا المرض الخطير ولا مجال للتخلص منه إلا إذا التزم جميع لناس في أمريكا وفي غيرها من الدول الآوروبية والإفريقية السلوك السليم والاخلاق القويمة. وأن تقتصر الزوجات على أزواجهن فقط. وأن يقلعوا عن الزنا وعن غيره من الموبقات والانحرافات .. وهذا ما دعا ويدعو إليه ديننا الإسلامي العظيم. ففي الطهر والعفة العلاج السليم للأمراض الفتاكة المعدية المستعصية. وبدون ذلك لا علاج. وفي ظل المنهج الإسلامي تعيش الأسرة حياة سعيدة هانئة مطمئنة خالية من الأمراض المعدية.

والحمد لله على نعمة الإسلام

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل