Quick Contact

خطبة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك يوم 4 / 3 / 2011

الحمد لله…الحمد لله رب العالمين- الحمد لله الذي هدانا للايمان والاسلام، وأرسل الينا النبي العدنان عليه الصلاة والسلام. ونشهد انا واياكم ان لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيكي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير،القائل في سورة هود: “فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا، انه بما تعملون بصير” سورة هود الآية 112. اللهم اجعل في قلوبنا نوراً، وفي أبصارنا نوراً، وبين ايدينا نوراً- اللهم يسر لنا أمرنا، ووحد صفوفنا ، واحقن دماءنا، وحرر أرضنا. ونشهد انا وإياكم أن سيدنا وحبيبنا وقائدنا وشفيعنا محمداً عبد الله ونبيه ورسوله امام المتقين، قدوة العاملين القائل: “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر” ورواية (كلمة عدل) بدلاً من (كلمة حق) والمعنى واحد وأبو داود في سننه والترمذي في سننه والنسائي في سننه، أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الايمان عن الصحابي الجليل أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه-، وكذا عن الصحابي الجليل أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي الكوفي -رضي الله عنه- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله الطاهرين المبجلين، وصحابته الغر الميامين المحجلين ومن تبعهم وخطا دربهم واستن سنتهم باحسان إلى يوم الدين. أما بعد فقد روى الصحابي الجليل أبقو سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمر بالمعروف وتحض عليه، وبطانة تأمر بالشر وتحض عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى” أخرجه البخاري وأحمد والنسائي والبيهقى وفي رواية (من عصمه الله تعالى) بدلا من (من عصم الله تعالى) أيها المسلمون -يا أيها المصلون- يا أحبة الله… يعالج رسولنا الأكرم محمد -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث النبوي الشريف موضوعاً مهماً وحساساً ، وله أهمية في التاريخ السياسي للدوا والامم والشعوب في كل زمان ومكان، وطالما كان له الاثر الفعال في تغيير دفة الحكم وشكل السلطة، كما نلاحظ في أيامنا هذه، فيوضح عليه السلام بأن البطانة التي تحيط بكل حاكم أو مسؤول هي أحد نوعين: بطانة الخير أو بطانة الشر. أما بطانة الخير فهي التي تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر، وتخلص في اسداء النصح للحاكمين وترعى مصالح الأمة بما أمر الله، وتوصل شكاوى ومظالم ومطالب الفقراء والمعوزين والمحتاجين والمظلومين والمقهورين وتحافظ على المال العام وعلى ثروات البلاد. أيها المسلمون … يا أحبة الله. أما بطانة الشر: هي التي تأمر بالمنطر وتزينه للحاكم وتنهى عن المعروف وتقبّحه، وتحارب كل حق وفضيلة، ولا تخلص في اظهار الخير للحاكم، ولا توصل شكاوى المواطنين له، وانما تزين له الأمور، وتغشه في اعطاء المعلومات، وتوهمه أن الشعب يحبه، وأن الامور مستتبة، وأنها تنهب ثروات البلاد، وهذا ما حصل ويحصل في تونس ومصر وليبيا واليمن/ زالبقية تأتي… أيها المسلمون… يا أحبة الله. لقد ورلاد لفظ العصمة في هذا الحديث الشريف ، والمراد من لفظ المعصوم هو : المحفوظ من الذلل والخطأ بحق الأمة، وذلك اذا اتخذ الحاكم بطانة من الأخيار فلا يوقعونه في الأخطاء والمعاصي والشرور، واذا ابعد عنه المنافقين والمنتفعين والمتسلقين والانتهازيين والسكيرين ومن هم على شاكلتهم!! هذا وقد اعتاد بعض الناس في كل زمان ومكان أن يتزلفوا للحاكم وأن يتملّقوا له ولكل مسؤول وصاحب جاه، وذلك بهدف أن يحققوا مآربهم الدنيوية، ومصالحهم الشخصية، وليوهموا الناس أنهم من أهل الحل والعقد في أمور الدولة وأنهم يزعمون بأنهم يريدون الخير للبلاد والعباد… فان كان الحاكم صالحاً ومخلصاً وواعياً فانه يبعد هؤلاء المتسلقين والمنافقين وينحيهم ولا يفسح لهم المجال في التصيد كما فعل كل من عمر بن الخطابل وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما والحكم على الحاكم ينطلق من الحكم على البطانة وعلى الحاشية أيها المسلمون… يا أحبة الله. لقد حرص ديننا الاسلامي العظيم على المصلحة للأمة فأوجب على الحاكم الالتزام بالشورى لقوله سبحانه وتعالى: ” وشاورهم في الأمر، فاذا عزمت فتوكل على الله، ان الله يحب المتوكلين” سورة آل عمران الآية 159 ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى: “وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون” سورة الشورى الآية 38. كما أوجب على الحاكم أن يتخذ له بطانة من الاخيار الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتقون الله ويسدون إلى النصيحة عملاً بقول رسولنا الأكرم -محمد صلى الله عليه وسلم- ” الدين النصيحة.. قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم،،، أخرجه مسلم والنسائي عن الصحابي الجليل تميم الداري -رضي الله عنه- وبقوله عليه الصلاة والسلام: ” المستشار مؤتمن” أخرجه أبو داود الترمذي وابن ماجه عن الصحابي الجليل أبي هريرة -رضي الله عنه- فالمستشار مهمته حساسة، وأن موقعه خطير فلا بد أن يكون أميناً يتقي الله في المشورة واسداء النصح. أيها المسلمون… يا أحبة الله. لقد طبق الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ الشورى في جميع المواقف التي لم ينزل فيها وحي من السماء ، فقد استشار الصحابة الكرام في غزوات بدر وأحد والأحزاب وصلح الحديبية وغيرها، حينما تولى أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- قال مخاطباً الناس: اني قد وليت عليكم ولست بخيركم فان أصبت فأعينوني وإن أخطأت فقوموني ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فان عصيت فلا طاعة لي عليكم، وفي عهد أمير المؤمنين الخليفة العادل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان الصحابي الجليل الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يمثل البطانة الخيرة له. أيها المسلمون يا أحبة الله… في هذا المقام أشير إلى نماذج عملية حضارية وردت فيث كتب الحضارة، كيف كان الخلفاء حريصين على البطانة الصالحة وكيف كان العلماء العاملون مخلصين في اداء النصيحة للخلفاء دون نفاق ولا تملق. النموذج الاول: الخليفة سليمان بن عبد الملك الاموي مع العالم ابي حازم: فقد قام سليمان بن عبد الملك بزيارة العالم أبي حازم في مكة المكرمة ووجه له عدة أسئلة منها: ما لنا نكره الموت؟ فيجيب أبو حازم: لانكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلة الخراب، وسؤال آخر مالي عند الله؟ فيجيب أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله، فان الله عز وجل يقول: (ان الابرار لفي نعيم، وان الفجار لفي جحيم) سورة الانفطار الآيتين 13 و 14 . النموذج الثاني: الخليفة أبو جعفر المنصور العباسي مع الامام الاعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه: حينما تولى أبو جعفر المنصور الخلافة. أخذ على الناس شرطاً اذا خرجوا عن طاعة الله فانه يستحل دمهم، فخرج أهل الموصولعن طاعته فاستشار أبو جعفر الامام أبا حنيفة كيف يتصرف، فاجابه أبو حنيفة أن الشرط باطل، أن الناس قد وافقوا على شرط لا يملكونه وهو استحلال الدم، وان أبا جعفر شرط عليهم ما ليس له لان دم المسلمين لا يحل إلا بثلاث، فاستجاب أبو جعفر لنصيحة وفتوى أبي حنيفة، فكيف يحصل الان استحلال الدم في ليبيا؟! انه لامر منكر، فالحاكم الذي يحيد عن الصواب يجب عزله. النموذج الثالث: السلطان صالح بن اسماعيل الايوبي الذي تعاون مع الصليبيين فتصدى له سلطان العلماء العز بن عبد السلام اذ انكر عليه تعاونه مع الصيبيين المحتلين، فقام السلطان صالح بعزل العز بن عبد السلام عن الخطابة في المسجد الاموي بدمشق، إلا أن العز بن عبد السلام ثبت على موقفه واستمر في رسالة الدعوية، ولم يتملق ولم ينافق له ولم يعطه الشرعية . النموذج الرابع: لقد انكر العالم المجاهد بن تيمية على موقف الملك غازان التتري لان الاخير نقض العهد الذي نص على عدم مقاتلة قلاوون من سلاطين المماليك في مصر. النموذج الخامس: لم يستجب الامام النووي لمطالب القائد الظاهر بيبرز بالغاء الأوقاف الذرية، ولم يعطه الشرعية. النموذج السادس: لقد اتخذ صلاح الدين الايوبي مستشاراً له من العلماء العاملين وهو القاضي الفاضل واسمه عبد الرحيم البيساني نسبة لمدينة بيسان من فلسطين، ولم يقم صلاح الدين بعمل إلا برأي القاضي الفاضل. النموذج السابع والأخير: لقد كان القائد محمد الفاتح العثماني الذي فتح القسطنطينية محاطاً بثلة من العلماء والعاملين فقد كانوا معه في قلب المعركة حين فتح القسطنطينية أمثال أحمد اسماعيل الكوراني، وعليه فانه يتوجب على علماء الأمة في هذه الأيام أن يقولوا قولة العدل والحق في وجه الظلم والطغيان، وان لا يخافوا في الحق لومة لائم وألا يهادنوا الظالمين. جاء في الحديث النبوي الشريف: التائب من الذنب كمن لا ذنب له” رواه ابن ماجه في سننه والبيهقي في شعب الايمان عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: ادعوا الله وأنتم موثقون بالاجابة فيا فوز المستغفرين.