Quick Contact

خطبة الجمعة من المسجد الاقصى المبارك يوم 24 / 12 / 2010م

الحمد لله… الحمد لله حمد العابدين الشاكرين، ونستغفرك ربنا ونتوب اليكم ونتوكل عليك ونثني
عليك الخير كله أنت ربنا ونحن عبيدك ، لا نعبد سواك، لا ركوع ولا سجود ولا تذلل ولا ولاء إلا اليك، سبحانك فأنت ملاذ المؤمنين الصادقين، حافظ المسلمين المجاهدين، مخزي المنافقين المتسلقين هازم المنافقين المعتدين المتغطرسين .
ونشهد أنا وإياكم أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير القائل: “الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احداً إلا الله، وكفا بالله حسيباً” سورة الأحزاب آية 39. اللهم احرسنا بعينم التي لا تنام، واحفظنا بعزّك الذي لا يضام، واكلأنا بعنايتك في الليل والنهار، في الصحارى والآجام. ونشهد أنا وإياكم أن سيدنا وقائدنا وحبيبنا وشفيعنا محمداً عبد الله ورسوله القائل: ” لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوّهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم (وفي رواية لا يضرهم من خذلهم) ولا ما أصابهم من اللأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك- قيل يا رسول الله، أين هم: قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس” رواه الإمام أحمد في مسنده ج5 ص: 269 عن الصحابي الجليل أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه- صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين المبجلين وصحابته الغرّ الميامين المحجلين ومن تبعهم وخطا دربهم واستن سنتهم ونهج نهجهم باحسان إلى يوم الدين.

أما بعج فيقول الله عزّوجل في سورة آل عمران: “الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم أيماناً وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله ، والله ذو الفضل العظيم، إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين” الآيات 173 – 175- صدق الله العظيم.
أيها المسلمون- أيها المرابطون- يا أحبة الله.
هذه الآيات الكريمة من سورة آل عمران وهي مدنية ولها أسباب نزول حافلة بالعبر والعظات لمن أراد أن يعتبر ويتعظ: من الأفراد والشعوب والأمم والدول، فقد ذكرت كتب التفسير والسيرة النبوية بأن أبا سفيان زعيم مشركي قريش وقتئذ قد قال للمسلمين بعد معركة أحد السنة الثالثة للهجرة: موعدنا بدر العام المقبل (السنة الرابعة للهجرة) والسؤال: لماذا حدد أبو سفيان المكان وهو موقع بدر؟ والجواب : لانه انهزم في معركة بدر الكبرى (السنة الثانية للهجرة) فيريد أن يرد الاعتبار لقريش!!
أيها المسلمون- أيها المرابطون- يا أحبة الله.
لقد قبل الرسول –صلى الله عليه وسلم- هذا التحدي فأجاب بقوله: نعم، إن شاء الله تعالى، وحينما اقترب الموعد المحدد وهو شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة لم يتمكن أبو سفيان من الايفاء بوعده بسبب القحط الذي أصاب مكة في هذا العام، فكيف يتصرف أبو سفيان؟ إنه يحاول أن يخذّل المسلمين وأن يخيفهم بحيث لا يخرجون إلى موقع بدر في الموعد المحدد فأرسل أبو سفيان شخصاً معروفاً بذكائه وحيلته ويدعى نعيم بن مسعود الأشجحي إلى المدينة المنورة ليوهم المسلمين بأن أهل مكة قد جمعوا جموعاً كبيرة في موقع بدر… ولكن لم يتلفت رسول الله محمد –صلى الله عليه وسلم- لهذا الارجاف وهذا التخويف من قبل نعيم بن مسعود الاشجعي، بل ان هذه المحاولات التثبيطية قد زادت المسلمين ايماناً وتثبيتاً .
أيها المسلمون- أيها المرابطون- يا أحبة الله.

لقد خرج الرسول عليه الصلاة والسلام بألف وخمسمائة من الصحابة حتى وصلوا موقع غير آبه بما قاله نعيم، فلم يجدوا به أحداً من مشركي قريش، ومكث المسلمون ثلاثة أيام بأمن وأمان وهم يقومون بالمعاملات التجارية، ثم عادوا إلى المدينة المنورة بنعمة من الله عزّ,جل سالمين غانيمن فنزلت هذه الآية الكريمة من سورة آل عمران: “الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم أيماناً وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله ، والله ذو الفضل العظيم، إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين” ولما سمع صفوان بن أمية وهو من زعماء قريش أيضاً بذلك قال لأبي سفيان معاتباً : قد أجترؤوا علينا، ورأوا أنا أخلفناهم.
أيها المسلمون- أيها المرابطون- يا أحبة الله.
لقد تمكن رسولنا الأكرم محمد –صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام –رضي الله عنهم- من تغيير الوضع العام لصالحهم بعد عام واحد فقط، وذلك في غزوة بدر الأخرى (والتي تعرف بغزوة بدر الصغرى أيضاً) في السنة الرابعة للهجرة ، والمعلوم أن المسلمين أثناء توجههم غلى موقع بدر كانوا يرددون : حسبنا الله ونعم الوكيل، فازداد المؤمنون إيماناً على ايمان وكرامة على كرامة. فعلينا ، أيها المسلمون ، أن نردد حسبنا الله ونعم الوكيل، وبخاصة ونحن الآن في أمر عظيم وفي مأزق عصيب، فالله كافينا وهو حسبنا وهو حافظنا وهو راعينا وهو نعم المولى ونعم النصير، فيقول رسولنا الأكرم محمد –صلى الله عليه وسلم- إذا وقعتم في أمر عظيم فقولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل” أخرجه أبن مردويه عن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه.
لقد سبق أن ردّد سيدنا ابراهيم عليه السلام في منطقة ديار بكر بتركيا حين ألقوه في النار، فأكرمه الله العلي القدير بأن كانت النار برداً وسلاماً عليه، فيقول سبحانه وتعالى : “قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم” سورة الأنبياء الآية 69.

أيها المسلمون –أيها المرابطون –يا أحبة الله.
إن الآيات الكريمة التر وردت في سورة آل عمران لتدعوا إلى الثبات والصمود في المواقف العصيبة والحرجة وتدعو بعد العمل إلى التوكل على الله وإلى اللجوء إليه والخشية منه وان خشية الله مرتبطة بالايمان، وبعدم الانجرار وراء الشائعات واللعب بالأعصاب وأن المؤمن الذي يتصف بخشية الله فإن الله عزّوجل يبقى معه ويطوّع له المخلوقات كلها أما المنحرفون وأما الساقطون فإنهم لا يخشون الله، وانما يخافون الناس، ويلتهون وراء سراب خادع.
أيها المسلمون- أيها المؤمنون- أيها المرابطون- يا أحبة الله في هذا السياق تسأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الرسول –صلى الله عليه وسلم- عن الخوف من الله (أي تريد أن تستفسر عن مظهر الخوف من الله) فقالت: قلت يا رسول الله، قولُ الله تعالى: ” الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) سورة المؤمنون الآية 60 أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: لا.. يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه لأنهم يؤمنون بلقاء رب العزّة والجلالة، هؤلاء هم الفائزون حقاً بالجنان ورضى الله، أما الذي يرتكب المعاصي والحرمات فإنه لا يخاف الله أصلاً ، لانه كان يخاف من الله لما ارتكب المعاصي، لما سرق ولا زنى ولا شرب الخمر ولا نافق الظالمين والمحتلين، ويقول الحسن البصري في هذا المقام( ان المؤمن جمع احساناً وشفقة أي خوفاً من الله تعالى، أما المنافق جمع اساءة وأمناً، وسئل الحسن البصري : كيف تخاف من ربنا فأجاب للسائل: لو ركبت أنت البحر وتحطمت سفينتك فلم يبق منها إلا لوح واحد، وأمسكت به بين الموج العاتي، فكيف يكون حالك؟ قال السائل: خوف شديد. قال الحسن البصري: أنا هكذا مع الله في خوف منه ليل نهار!! هكذا يا مسلمون كان سلفنا الصالح رضي الله عنهم.
أيها المسلمون… أيها المؤمنون.
إن ما تمر به الأمة الاسلامية في هذه الأيام من المحن والمصائب والتبعية والفرقة والاختلاف ليحفزنا بالرجوع إلى الله رب العالمين قولاً عملاً ، ويدفعنا للأخذ بالأسباب، فأجيبوني: من الذي ينصرنا؟ الله، ومن يحمينا؟ الله. ومن يوحدنا؟ الله. ومن يميتنا ويحيينا؟ الله. لا اله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله فكلما اقتربنا من الله يقترب منا وينصرنا ويأخذ بأيدينا. جاء في الحديث النبوي الشريف ” عينان لا تمسهما النار ، عين بكت من خشية الله ةعين باتت تحرس في سبيل الله” رواه الترمذي عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
ادعو الله وأنتم موقنون بالاجابة ، فيا فوز المستغفرين

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد النبي الامي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا ابراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا ابراهيم وعلى آل سيدنا ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد.
نشرت احدى جمعيات حقوق الانسان العالمية خلال هذا الاسبوع تقريراً عن أوضاع الفلسطينيين في الاراضي المحتلة وما يعانوه من تمييز عنصري واضح فاضح من قبل سلطات الاحتلال ، في حين يعامل المستوطنون اليهود معاملة حسنة ويوفرون لهم المياه والكهرباء والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية، بينما يعاني الفلسطينيون معاناة شديدة وقاسية من قبل السلطات المحتلة فيحرمون من أبسط الحقوق الانسانية فتهدم بيوتهم وتصادر أراضيهم وتقام عليها المستوطنات، ولا تزال المستوطنات تتوسع على حساب أصحاب الأراضي الشرعيين، وكان آخر قرار هو بناء (280) وحدة سكنية في جنوب القدس، كما يحرم المسلمون من استثمار أراضيهم بل تحرق أشجارهم ومواشيهم أيضاً
أيها المصلون
الساعة الساعة استجابة فأمنوا من بعدي:
اللهم آمنا في أوطاننا، وفرج الكرب عنا.
اللهم احم المسجد الأقصى من كل سوء.
اللهم ارحم شهداءنا وشاف جرحانا واطرق سراح معتقلينا وعليك بمن آذانا.
اللهم استرنا بسترك الجميل الذي سترت به نفسك من خلقك فلا عين تراك ولا اذن تسمعك فيا جميل الستر استرنا.
اللهم انا نعوذ بك من شرور أنفسنا، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها.
اللهم اكفنا بما شئت وكيف شئت ولا حول ولا قوة إلا بك
اللهم انصر المسلمين واعمل بفضلك كلمة الحق المبين.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الاحياء منهم والاموات
“وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون”
د. الشيخ عكرمة صبري