Quick Contact
حديث الجمعة الديني : “الإسلام واليوم العالمي لإلغاء الرق”

حديث الجمعة الديني : “الإسلام واليوم العالمي لإلغاء الرق”

 

يصادف هذا اليوم الثاني من شهر كانون الأول ” ديسمبر ” اليوم العالمي لإلغاء الرق، حيث أقرت منظمة الأمم المتحدة بموجب قرارها رقم 317 الصادر في 2/12/1949م أن يكون هذا اليوم من كل عام يوماً عالمياً لإلغاء الرق، بهدف القضاء على الإتجار بالأشخاص، والاستغلال الجنسي، وبيع الزوجات، والإتجار بالأعضاء البشرية.

إن موضوع الرقيق قديم جديد، فهو قديم قدم الإنسان حين تتغلب الشعوب القوية على الشعوب الضعيفة، وهو جديد لانتشار الاستعمار والاحتلال والاستبداد في العالم، ولكن بصور وأشكال متعددة، وقد خصصت الأمم المتحدة يوم 2 / 12من كل عام لتذكّر العالم بمنع الرقيق وإلغاء الاتجار به، وهذا يؤكد بأن الرق لا يزال قائماً في عالمنا حتى اليوم.

الرومان والرقيق

اشتهر الرومان قبل الميلاد بتجارة الرقيق، والتفنن في استغلال الأرقاء وتعذيبهم وإهانة إنسانيتهم، فالرومان لم يعتبروا الرقيق بشراً، بل اعتبروهم شيئاً وبضاعة تُباع وتُشترى، وأنهم جزء من الأرض، وقيّدوا حريتهم بالسلاسل والأغلال التي كانت توضع في أرجلهم حتى لا يهربوا من الأرض، بالإضافة إلى سوقهم بالسياط، والأنكى من ذلك أنهم كانوا يستمتعون ويتلذذون بتعذيب الأرقاء من خلال المبارزة فيما بينهم بالسيف والرمح، حتى يقتل أحد المتبارزين الآخر.

الهنود والفرس والفراعنة

ولم يكن الأرقاء بأحسن حالاً في بلاد الهند والفرس ومصر، فإن الهنود يعتقدون أن الرقيق قد خلقوا من أقدام الإله، وبالتالي فإن الأرقاء هم حقراء ومهينون، وأن الفرس كانوا يعدون الأرقاء من الدرجة الثانية، وأن الفراعنة بمصر أجبروا العبيد على بناء الأهرامات.

الغرب والرقيق

أما الغرب فقد مارس تجارة الرقيق واضطهاد السود والملونين والهنود الحمر في أميركا وأستراليا وإفريقيا، ويعد البرتغاليون أبرز من مارس تجارة الرقيق في إفريقيا منذ القرن الخامس عشر للميلاد، ولا يزال التمييز العنصري والعرقي قائماً وشائعاً في أميركا ضد السود وضد الهنود الحمر حتى يومنا هذا، وإن انتشار الاستعمار والاحتلال في العالم – في هذا العصر – من مظاهر الإسترقاق، وبالرغم من الإعلان الدولي عن إلغاء الرق لكن الاسترقاق قائم على أرض الواقع في كثير من دول العالم، الثالث بأشكال وصور متعددة وخادعة.

موقف الإسلام من الرق

جاء ديننا الإسلامي العظيم ونظام الرق قائم ومعترف به في جميع أنحاء العالم، في الجزيرة العربية وفي بلاد الرومان والفرس والهند ومصر وغيرها. وضع الشارع الحكيم خطوات ثابتة وواضحة لمعالجة مشكلة الرق ولتجفيف منابعه وبالتالي لإلغائه بشكل تدريجي، وبشكل يتناسب مع كرامة الإنسان، وذلك على النحو الآتي:

  1. دعا الإسلام إلى حفظ كرامة الإنسان، فيقول الله -العلي القدير-: ” ولقد كرمنا بني آدم ” سورة الإسراء– الآية70.
  2. تهيئة الأرقاء للحرية، وذلك بإشعارهم أنهم بشر، وأن إنسانيتهم لا تقل عن إنسانية الأحرار، فيقول الله -سبحانه وتعالى- : “… بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ” سورة النساء- الآية25، وأنّه لا تمييز بين الأحرار ومن كان من الأرقاء، ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ”  (كتاب سيرة عمر بن الخطاب لأبي الفرج ابن الجوزي ص:70)، ويقول -رضي الله عنه- أيضاً: ” لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته ”  (كتاب شبهات حول الإسلام لمحمد قطب ص:49)، ولكن إذا تم تحرير العبيد دون تمهيد فإنهم يشعرون بالضياع ويعودون إلى الرق وإلى الأقنان !! وهذا ما حصل في أميركا حينما أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق (أبراهام لنكولن) عام 1861م إلغاء الرق، فارتبك الأرقاء ولم يصدقوا أنفسهم بأنهم أحرار ولم يعرفوا كيف يتصرفون وكيف يعيشون بطريقة استقلالية، وقد خطا رسولنا الأكرم محمد -صلى الله عليه وسلم- عدة خطوات مع الموالي والأرقاء بأن أسند إليهم مسؤوليات، وكلفهم القيام بأعباء تشعرهم بأنهم قادة ومسؤولون، فقد أرسل مولاه زيداً على رأس جيش من الأنصار والمهاجرين وذلك في غزوة مؤتة  (السنة 8 للهجرة)، وأكد ذلك بقول رسول الله -عليه الصلاة والسلام- في هذا الموضوع: ” اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي – كأن رأسه زبيبة – ما أقام فيكم كتاب الله -تبارك وتعالى-” رواه البخاري، عن الصحابي الجليل أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
  3. المساواة بين الناس دون تمييز، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ” من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه ” رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي، عن الصحابي الجليل سمرة -رضي الله عنه-، ويقول رسول الله -عليه الصلاة والسلام- في حديث نبوي شريف آخر: ” إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن جعل الله أخاه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس،  ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه ” متفق عليه، عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه-، فقد اعتبر الإسلام جميع الناس إخوة وأنهم متساوون في الإنسانية وفي الكرامة وفي الحقوق.
  4. إنّ تحرير الأرقاء عبادة وتقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- ، ويتضح ذلك من خلال ما يأتي:

أ‌- هناك كفارات تنص على تحرير الرقبة منها: القتل الخطأ، فقد جعل الإسلام كفارة القتل الخطأ دية مالية لأهل القتيل، وتحرير رقبة لقول الله -عزّوجل-:” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ” سورة النساء- الآية92، فالقتيل الذي قتل خطأ هو روح إنسانية قد فقدها أهلها كما فقدها المجتمع دون وجه حق، لذلك يقرر الإسلام التعويض عنها من جانبين هما:

أ. التعويض لأهلها بالدية.

ب. التعويض للمجتمع بتحرير رقبة مؤمنة.

فكأنّ تحرير الرقيق هو إحياء لنفس إنسانية تعوض النفس التي ذهبت بالقتل الخطأ، وكذلك كفارة اليمين: وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة لقول الله -تعالى- : ” لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ” سورة المائدة- الآية89، وكذلك كفارة الظهار: وهي الزوج الذي يريد أن يعود إلى زوجته بعد أن يظاهرها، ينبغي عليه أن يحرر رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، لقول الله – سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ سورة المجادلة- الآية3.

ب‌- عتق الأرقاء تطوعاً: لقد شجع ديننا الإسلامي العظيم على تحرير العبيد، وكان رسولنا الأكرم محمد -صلى الله عليه وسلم- القدوة الأولى في ذلك، إذ أعتق من عنده من الأرقاء، وتلاه في ذلك الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فكان الصحابي الجليل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- ينفق أموالاً طائلة في شراء العبيد من سادة قريش الكفار ليعتقهم وليمنحهم الحرية، وكان بيت مال المسلمين يشتري العبيد من أصحابهم ويحررهم، فقد قال يحيى بن سعيد والي الصدقات على شمال إفريقيا: ” بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقيا فجمعتها، ثم طلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيراً، ولم نجد من يأخذها منا، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها عبيداً فأعتقتهم ”  (كتاب شبهات حول الإسلام لمحمد قطب ص:40)، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتق من الأرقاء من يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، أو يؤدي خدمة مماثلة للمسلمين، كل ذلك تقرّباً إلى الله -عزّوجل-، وتنفيذاً لقول الله  -سبحانه وتعالى- : “… وفي الرقاب…” سورة التوبة –  الآية60  – من مصارف الزكاة.

ج – المكاتبة: هي منح الحرية للرقيق إذا طلبها لنفسه مقابل مبلغ من المال يتفق عليه السيد والرقيق، والعتق هنا إجباري، لا يملك السيد رفضه ولا تأجيله بعد أداء المبلغ المتفق عليه، وإلا تدخلت الدولة لتنفيذ العتق بالقوة، ومنح الحرية لطالبها. فالرقيق إما أن يعمل بأجر عند سيده بالمبلغ المتفق عليه لتحريره، أو تتاح له الفرصة أن يعمل في الخارج بأجر حتى يجمع المبلغ المتفق عليه، بهذه القنوات الثلاث:  (الكفارات، والعتق بالتطوع، والمكاتبة) استطاع الإسلام أن يجفف موضوع الأرقاء وأن ينظف المجتمع، ليصبح الجميع يتمتعون بالحرية.

المعاملة بالمثل

كما هو معلوم أنّ الإسلام قد حرم بيع الإنسان وشراءه، ولكن السؤال: هل يمكن أن يكون في المجتمع الإسلامي أرقاء  (عبيد) ؟ والجواب: لقد قرر الإسلام إطلاق سراح الأسرى بدون مقابل أو بمقابل، لقول الله –  سبحانه وتعالى -:” فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ” سورة محمد  (سورة القتال)- الآية4، فالأصل في الإسلام إنهاء مشكلة الأسرى، ولكن إذا كان هناك أسرى من الطرفين فينشأ حينئذ مبدأ المعاملة بالمثل على النحو الآتي:

  1. الاتفاق على التبادل بين الأسرى، والتبادل هو أسهل وأسلم وأرقى الحلول.
  2. إذا قام العدو بقتل الأسرى الذين في حوزته، فإنّ المسلمين مضطرون إلى قتل الأسرى الذين في حوزتهم، أخذاً بمبدأ المعاملة بالمثل.
  3. إذا أقدم العدو على استرقاق الأسرى الذين هم في حوزته فإنّ المسلمين مضطرون إلى إسترقاق الأسرى الذين هم في حوزتهم.

هذا هو مبدأ التعامل بالمثل، وأن التشريع الإسلامي قد وضع جميع الحلول والاحتمالات، والإسلام قد تعامل مع مشكلة الرق تعاملاً إنسانياً واقعياً عملياً قبل خمسة عشر قرناً، وأنّ الإسلام لم يسبق أن دعا إلى الاسترقاق، بل وجد المشكلة جاثمة أمامه، فقام بمعالجتها بهدف إنهائها، لأن الإسلام هو دين الحياة، وهو دين شامل لجميع مناحي المجتمع وللإنسانية جمعاء، قال الله -تبارك وتعالى-: ” وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ” سورة الأنعام- الآية153.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ” سورة الأحزاب-الآية 4.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.