Quick Contact
حديث الجمعة الديني : “لا تكن إمّعة”

حديث الجمعة الديني : “لا تكن إمّعة”

 

المقدمة

من الظواهر الاجتماعية السلبية التي لا يخلو منها أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية هي ظاهرة “الإمعة”.  وأعني بالإمعة الشخص الذي لا رأي واضح له، وأنه يتابع غيره حين تتحقق مصلحته الشخصية ويميل مع الريح حيث تميل، وحينما تختلف الآراء والمواقف فإن “الإمعة” يزيدها خلافاً وتعقيداً لأنه يشي للطرفين ويوقع بينهما العداوة والخصومة ثم انه يوهم الجميع ويخدعهم بأنه مع الجميع ليحفظ لنفسه خط الرجعة، وقد ينجح في تخطيطه بادئ الأمر وسرعان ما ينكشف على حقيقته ويفشل في مساعيه الذميمة.  ويمكن القول: إن الشخص الإمعة يتصف بصفات دنيئة وحقيرة، منها الانتهازية والتسلق والغدر والطعن من الخلف والتلون والنميمة.

نصوص شرعية من القرآن الكريم

هنالك عشرات الآيات التي تذم الإمعة وتعتبره من فئة المنافقين فيقول عز وجل “ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ” سورة البقرة الآية- 14 ، ويصف القرآن الإمعة بالانتهازية والتلون فيقول ربّ العالمين “ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ”  سورة النساء الآية -140، كما أن الإمعة يرغب في أن يحمد ويشكر وأن يثنى عليه دون أن يبذل جهداً مقابل ذلك ودون أن يقوم بأي عمل مفيد فيقول سبحانه وتعالى في حق المنافقين .

 

والكافرين: “ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ” سورة آل عمران الآية 188، والإمعة من زمرة هؤلاء الذين يحبون أن يحمدوا دون أن يعملوا عملاً مفيداً.

نصوص شرعية من الأحاديث النبوية الشريفة

لقد حذر رسولنا الأكرم r من الإمعة بقوله “لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وان ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وان أساؤا لا تظلموا”  رواه الترمذي عن الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.

أي أن الإمعة لا رأي ثابتاً ولا موقفاً واضحاً له فإن حقيقة أمره أن له موقفين فأكثر، ويميل حيث يميل الناس، هذا وقد أشار رسولنا الأكرم r إلى المصير الأخروي لهذه الإمعة في عدة أحاديث نبوية شريفة، أذكر ثلاثة منها:

  1. ذو الوجهين في الدنيا يأتي يوم القيامة وله وجهان من نار” -رواه الطبراني عن الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، والمراد من هذا الحديث النبوي الشريف أن الله عز وجل يبعث الإمعة يوم القيامة على أبشع صورة وأقبح هيئة لأنه كان يتلون في حياته الدنيوية كالحرباء.
  2. من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار” -رواه أبو داود وابن حبان عن الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنهما، والمراد من هذا الحديث أن الله سبحانه وتعالى يقلب هيئة الإمعة يوم القيامة فيظهر له لسانان من نار، وذلك زيادة في العذاب ليذوق أشد الآلام وليصطلي لسانه بالنار مضاعفة.
  3. من كان ذا لسانين جعل الله له يوم القيامة لسانين من نار” -رواه ابن أبي الدنيا والطبراني والأصفهاني عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، والمراد من هذا الحديث النبوي الشريف بأن الإمعة لكونه يتكلم برأيين متضاربين في الدنيا فإن الله رب العالمين يعاقبه يوم القيامة بأن يجعل له لسانين من نار.

نسبة الإمعة في المجتمع

إن النصوص الشرعية من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة لا تتحدث عن نظريات وفرضيات وإنما تحلل نفسية شريحة من شرائح المجتمع في كل زمان ومكان سواء كان ذلك في عصر النبوة أو في عصرنا، وإنما الفرق في العدد: قلة أو كثرة أي في مقدار النسبة المئوية التي تتكون منها هذه الشريحة في المجتمع وكلما فسد المجتمع وانفلت من عقاله كثر عدد الإمعات وازداد عدد الانتهازيين والمتسلقين، مع الإشارة إلى أنه لا يمكن أن تزول هذه الفئة من أي مجتمع بشكل نهائي، وإنما يقل عددها ويضعف تأثيرها حين صلاح المجتمع وتنظيمه وتنظيفه.  لذا ينبغي على كل مواطن أن يكون حذراً ومتنبهاً حينما يضطر أن يتعامل مع هذه الفئة في كل زمان ومكان.

الخاتمة

إن النصوص الشرعية من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة تطلب من المسلمين في كل زمان ومكان ما يأتي:

  • تقوى الله تعالى، والمخافة في السر والعلانية.
  • الصراحة والصدق في القول والعمل.
  • احترام المسلم لنفسه وان يحفظ ماء وجهه وأن يصون كرامته، وإذا أراد أن يتكلم فلا يتكلم إلا بالخير أو بالصمت.
  • الثبات على الرأي السديد الذي يقوم على الحجة والبرهان.
  • نصرة الخير والحق بإيمان ثابت وعزيمة قوية.
  • وجوب الإصلاح بين الناس ليسود الصفاء ويعم الهناء في المجتمع.
  • التحذير من صفات النفاق والتلون والانتهازية والاصطياد في الماء العكر فهي صفات ذميمة سرعان ما ينكشف صاحبها، وينبذ من المجتمع.

وأخيراً وليس آخراً: لا تكونوا إمعة.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ” سورة الأحزاب-الآية 4.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.