Quick Contact
حديث الجمعة الديني : “نسائم حيّة في ذكرى خير البريّة”

حديث الجمعة الديني : “نسائم حيّة في ذكرى خير البريّة”

 

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ” – سورة الاحزاب الايتان 45 و 46.

يحتفل المسلمون : في مشارق الأرض ومغاربها بذكرى عطرة.. انها ذكرى المولد النبوي الشريف. وان المسلمين يقيمون الاحتفالات لاحياء سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في جميع تصرفاتنا وفي جميع اوقاتنا وانهم يتدارسون سيرته وذلك ليكون احتفاؤنا يليق بهذه الذكرى العطرة.

بلورة جوهر الاسلام

علينا ان نبلور جوهر الاسلام في قلوبنا وعقولنا وجوارحنا واحاسيسنا، وان نجسده عمليا في حياتنا اليومية، وذلك حتى نتمكن ان نوصل هذا الدين الى الشعوب الاخرى، لأن الملاحظ ان الشعوب الاخرى غير قادرة على فهم حقيقة الاسلام  من خلال الكتب والمؤلفات الاسلامية فهي بحاجة الى ان ترى اسلاماً مجسداً في الأعمال والتصرفات اليومية لتتمكن من فهمه واستيعابه، وهذا دفع الملايين من الشعوب الأخرى في افريقيا واندونيسيا والفلبين وبلاد شرق اسيا من الدخول في الاسلام: لا بالسيف ولا بالصولجان، ولا بالاستعمار ولا بالاحتلال، وانما من خلال تصرفات التجار المسلمين الذين وطأت اقدامهم تلك البلاد. فنقلوا هذا الاسلام العظيم من خلال المعاملة الحسنة وبشاشة الوجه وصدق الحديث والامانة والمحافظة على الكيل والميزان، وعدم الغش والاحتكار.وكان التجار المسلمون يتوضئون ويصلون بأناة وخشوع امام هذه الشعوب الوثنية التي رأت نفسها امام دين جديد، مجسد عمليا في تصرفات هؤلاء التجار، بالاضافة الى حرصهم على النظافة التي يدعو اليها الاسلام. فما كان من هؤلاء الشعوب الا ان دخلوا في دين الله افواجا قناعة ورضا وطمأنينة.

الدعوة الى الله

هذا ان دل على شيء انما يدل على ان المسلم يجب عليه ان يكون داعية الى الله اينما وجد وحيثما حل، وذلك على ضوء معرفته لأحكام الدين وعلى ضوء امكاناته العلمية. فالدعوة الى الاسلام ليست مقتصرة على فئة معينة من المسلمين وليست الدعوة محددة بالزمان او بالمكان. وما دام ان كل مسلم ينبغي ان يكون داعية الى الله فمن باب اولى ان يكون ملتزما ومتقيدا بأحكام الشريعة الغراء في تصرفاته لئلا ينطبق عليه قول الله عز وجل “ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ .كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ “.سورة الصف الآيتان 2 و 3 فان استطعنا ان نلتزم بذلك نكون بحق محتفلين بهذه الذكرى العطرة، ويكون صاحب الذكرى راضيا عنا وشفيعا لنا يوم القيامة ” لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ” سورة التوبة (براءة)- الاية 28.

مظاهر اعجازية

لم يكن ميلاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم امرا عاديا عابرا، وانما صاحبت الولادة مظاهر اعجازية وارهاصات ربانية ايذانا بميلاد امر عظيم وقد فصلت فيها كتب السيرة النبوية. نعم، انه سيدنا محمدا -عليه افضل الصلاة واتم التسليم-  هو بشر ولكنه يتميز عن الآخرين بالوحي وبالنبوة لقوله سبحانه وتعالى : “ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ “- سورة الكهف الاية 110 ولقوله عز وجل “ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى “- سور النجم الاية 4. هذه (النبوة )التي تنير للناس سبيل السعادة وتمنح الامة العطاء الزاهر في العقيدة السليمة وفي الحضارة الانسانية واوضح مثال على ذلك ما ذكرته السيرة النبوية حين الفتح الاعظم لمكة المكرمة -في السنة الثامنة للهجرة – فقد ذهل ابو سفيان من الحشود الاسلامية المتجهة من المدينة المنورة الى مكة المكرمة فقال له العباس بن عبد المطلب: انها النبوة يا ابا سفيان اي ان ذلك حصل بفعل النبوة لا بفعل العشيرة والقبيلة، ولا طمعا من اطماع الدنيا وكما هو معلوم ان رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم قد رفض مغريات الدنيا الزائفة والزائلة من المال والجاه والسيادة والملك، انه اسمى من ان يكون اسيرا لها، لقد هيأه الله عزوجل لهم اعظم واسمى من كل ذلك ، إنها الرسالة ، إنها النبوة..

احياء موات الامم

لقد كان ميلاده -عليه الصلاة والسلام – بعثا لكوامن الحياة، واحياء لموات الامم والشعوب، فقد جاء الى هذه الدنيا فوجد امة ميتة فأحياها بالعقيدة الاسلامية، بالتوحيد: لا اله الا الله محمد رسول الله. وكانت عبارة الله اكبر تحرك العقول والقلوب يتردد صداها في الجزيرة العربية بل في ارجاء المعمورة لنزلاء العروش والقصور فهوى الاكاسرة والقياصرة والفراعنة. وحان الوقت لسقوطهم من جديد فسقط شاه ايران كما سقط عدد من رؤساء دول عربية قد استبدوا وامتصوا ثروات البلاد فانتفضت الشعوب.. وحان الوقت ايضا ليضع المسلمون حدا لتصرفات الدول الكبرى في مصائر الشعوب المستضعفة، وحان الوقت ليعلم العالم حقيقة هذا الدين العظيم: دين الاسلام.

الاسلام هو الاسلام

إنه وان ران على عقول الناس غشاوة بحق هذا الدين العظيم فظلموه وشوهوه من قبل اتباعه وغير اتباعه الا ان الاسلام هو الاسلام، وانه دين واحد لا دينان، وله وجه واحد لا وجهان، ويظهر ذلك واضحا متألقا لمن يقبل على دراسته وتفهمه والتفقه باحكامه. ومن الخطأ  بل من الخطيئة والجريمة ان يحكم على الاسلام من خلال تصرفات المسلمين في هذه الايام لاننا نحن المسلمين في هذه الايام لا نمثل الوجه الصحيح للاسلام، ومن الخطأ ان نحكم على الاسلام بانه تقدمي احيانا، وانه رجعي احيانا اخرى، كما لا يجوز ان نحكم على الاسلام بانه يميني تارة او يساري تارة اخرى، فهذه المسميات دخيلة على الاسلام، وهي مستحدثة بالاضافة الا انها نسبية تخضع للامزجة والاهواء، وسرعان ما تتغير بين الفينة والاخرى، وان ديننا الاسلامي العظيم غني عن هذه المسميات. كما يرفض ان يضع نفسه في قفص الاتهام. نعم، هناك مسلم ملتزم باحكام الاسلام، ومسلم اخر غير ملتزم باحكامه. في الوقت نفسه نحن ملزمون جميعا بالتسمية الربانية لهذا الدين العظيم.. فأطلق الله عزوجل على هذا الدين لفظ “الاسلام ” بقوله “ وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا “-سورة المائدة الاية3 .واطلق على اتباعه لفظ المسلمين بقوله “ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ” – سورة الحج الاية 78 .

مجموعة من شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم

في ذكرى المولد النبوي الشريف يجب علينا ان نتعرف على صفات وشمائل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للتقيد بها والسير على هداها، فمن هذه الصفات السامية النبيلة: الصبر والامل عند نزول الشدائد، والشكر والتواضع حين تحقيق الانتصارات. فقد ثبت-عليه الصلاة والسلام- في جميع المواقف الصعبة والحرجة التي حضرها : حصار شعب مكة، ومعارك احد والخندق وحنين وغيرها من المعارك. وكان الامل يواكبه في اقسى الحالات واشدها فلا يعرف اليأس ولا التشاؤم ويدعو للذين آذوه بالهداية فيدعو لاهل مكة ولاهل الطائف “اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون ” ويقول “ان لم يكن بك عليّ غضب فلا ابالي “- رواه البخاري عن ام المؤمنين عائشة -رضي الله عنها – كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للشيخ محمد الخضري ص 47 . وكتاب الرحيق المختوم للشيخ صفي الرحمن المبار كفوري ص 135 و ص 136. وكان -عليه الصلاة والسلام- يتصف بالتواضع وبالشكر والتسامح ففي الفتح الاعظم حين دخل مكة في السنة الثامنة للهجرة منتصرا كان رأسه منحنيا على الراحلة شكرا لله تعالى، وخاطب اهل مكة قائلا: ما تقولون اني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، اخ كريم وابن اخ كريم، فقال قولته المشهورة “اذهبوا فأنتم الطلقاء “. سيرة ابن هشام ج 2 ص 273 وتاريخ الطبري ج 3 ص 16. فلم يقتل احدا، ولم يشرد اسرة ولم يهدم بيتا ولم يصادر ارضا ولم يقطع شجرة..

فهذا نبي الرحمة والانسانية، بعثه الله لانقاذ البشرية من وهدة الضلال الى نور الايمان، ولاسعاد البشرية من قسوة الشقاء الى الامن والامان. فحري بالمسلمين ان يستثمروا ذكرى ميلاد رسولنا الاكرم صلى الله عليه وسلم ليجددوا العهد باتباع كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. والله سبحانه وتعالى يقول:”وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ “. سورة ابراهيم الاية 5.

نداء وخاتمة

بهذه المناسبة العطرة اخاطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : كلما طالعنا سيرتك الطاهرة كلما تذكرنا انك لم تيأس ولم تقنط من روح الله ابدا، وانك لم تتخذ سوى الله عز وجل عونا وعضدا، كلما طالعنا ذلك كلما تثبت الايمان في قلوبنا، ودبّ الامل في جوارحنا واحاسيسنا، فلا يعترينا يأس ولا تشاؤم ولا احجام ولا ينالنا خوف ولا وجل ولا استسلام. سيدي وحبيبي يا رسول الله انك نبي هذه الامة ونحن اتباعك، ولن نتخلى عن رسالة الاسلام التي بعثها الله سبحانه وتعالى عن طريقك. وكلما ازداد الحاقدون تهجما على شخصك الكريم وعلى الاسلام كلما ازددنا تمسكاً بالدين واعتزازا بك. لقد كنت يا سيدي يا رسول الله ولا زلت نجما ساطعا وقمرا منيرا تنير للعالم اجمع طريق الهداية.

إن الرسول لنور يستضاء به                          مهند من سيوف الله مسلول

فسلام عليك يا حبيبي يا رسول الله من المؤمنين الصابرين المرابطين في بيت المقدس واكناف بيت المقدس، ومن الركع السجود في رحاب المسجد الاقصى المبارك، يوم مولدك، ويوم بعثتك، ويوم اسرائك الى هذه البلاد المقدسة المباركة، ويوم هجرتك، ويوم انتقالك الى الرفيق الاعلى.

اللهم فقّهنا في الدين وعلّمنا التأويل وارزقنا اليقين.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل” سورة الأحزاب-الآية 4.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.