Quick Contact

حديث الجمعة الديني : “نُعيم.. وقلب الموازين”

 

إنه الصحابي الجليل نعيم بن مسعود الأشجعي –رضي الله عنه-، هاجر إلى النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- في السنة الخامسة للهجرة، وهو الذي أفشل التحالف الشيطاني ما بين اليهود من بني قريظة، وبين قبائل العرب المعادية للرسول –صلى الله عليه وسلم-، وقد روى عنه ابنه سَلَمة، وتوفي في خلافة عثمان –رضي الله عنه-.

التحالف الشيطاني

لقد سبق لرسولنا الأكرم محمد –صلى الله عليه وسلم- أن أجلى اليهود من بني النضير عن المدينة المنورة لأنهم نقضوا العهد والمواثيق كعادتهم، وذلك في السنة الرابعة للهجرة، فأراد حيي بن أخطب زعيم بني النضير أن ينتقم من المسلمين، وأن يثأر لنفسه!! فأخذ في تحريض القبائل العربية ضد الرسول محمد –صلى الله عليه وسلم-، واستطاع أن يشكل تحالفاً شيطانياً لهذه القبائل، فانضم لهذا التحالف القبائل الآتية: قريش، وغطفان، وبنو مرة، وبنو سليم، وبنو اشجع بزعامة أبي سفيان الأموي. ولم يكتف حيي بن اخطب زعيم بني النضير بذلك، بل استطاع إقناع كعب بن اسعد القرظي زعيم اليهود من بني قريظة من الدخول في هذا التحالف الشيطاني، وأن ينقض العهود والمواثيق، وأن اليهود توهموا بأن الفرصة سانحة للانقضاض على الإسلام والمسلمين، وذلك في السنة الخامسة للهجرة!!! وقد أطلق القرآن الكريم على هذا التحالف اسم “الأحزاب” فيقول سبحانه وتعالى : “ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا “سورة الأحزاب- الآية2. هذا وقد سميت السورة التي تحدثت عن معركة الأحزاب في القرآن الكريم باسم سورة الأحزاب.

قصة الخندق

لما وصلت الأنباء للرسول سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- جمع الصحابة واستشارهم ماذا نعمل؟ هل نخرج لمقابلة الأحزاب خارج المدينة أم أن نبقى داخل المدينة؟ فكان الرأي الراجح بالبقاء داخل المدينة، وذلك أخذاً بالدرس الذي استفادوا منه في معركة “أُحد” في السنة الثالثة للهجرة حيث خرجوا من المدينة وقتئذ.. فاقترح الصحابي الجليل سلمان الفارسي –رضي الله عنه- بحفر خندق حول المدينة فسميت المعركة أيضاً باسم معركة الخندق. وهذا الاقتراح جديد على العرب، حيث لم يسبق لهم أن حفروا الخنادق.. فأمر (عليه الصلاة والسلام) بحفر الخندق من الجهة الشمالية للمدينة، وقد لاقى المسلمون صعوبات كثيرة أثناء حفرهم للخندق، وقد كان عليه الصلاة والسلام يشارك في نقل التراب، وأخذ يبشرهم بفتح فارس والروم لرفع معنوياتهم، وبهدف بث روح الأمل في نفوسهم.

فحين اقتربت الأحزاب من المدينة المنورة فوجئوا بالخندق الذي لم يألفوه من قبل، فبدأوا برشق النبال باتجاه المسلمين عن بعد، ولما طال الوقت عليهم فكروا باقتحام الخندق، وكان أول من اقتحمه عمرو بن ودّ العامري- المشهور بالفروسية والشجاعة-. وقال متحدياً المسلمين: مَن يبارز؟ فحاول علي بن أبي طالب النهوض لمبارزته، إلا أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- أقعده خوفاً عليه، إلا أن عمرو بن ودّ تحدى المسلمين ثلاث مرات، وفي كل مرة يحاول علي بن أبي طالب النهوض إلى أن أذن له الرسول –صلى الله عليه وسلم- بالمبارزة، حيث لم يستعد سوى علي لهذه المبارزة. فقال عمرو بن ود العامري باستخفاف واستهانة لعلي: إن والدك صديق لي، ولا أريد أن أقتلك.. فقال له علي: أنا الذي أريد أن أقتلك! وبدأت المبارزة، وتمكن علي من قتل عمرو، فكبّر المسلمون، وارتفعت معنوياتهم، ثم حاول نوفل بن عبد الله –أحد المشركين- اقتحام الخندق، إلا أنه قد سقط فيه مع فرسه، ودقت عنقه.

ما مهمة نعيم

لقد جاء نعيم بن مسعود، بعد أن أسلم، إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قائلاً: اني قد أسلمت، وقومي لا يعلمون بإسلامي فمرني بأمرك حتى أساعدك، فقال عليه الصلاة والسلام: أنت رجل واحد، وماذا عسى أن تفعل؟! ولكن خذّل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة.. نعم إن الحرب خدعة وهو أمر مشروع بحق الأعداء المحاربين، والمعلوم أن نعيم بن مسعود كان صديقاً لقريش، ولغطفان، وكذلك كان صديقاً لليهود، وهم لا يعرفون أنه قد أسلم، حيث قد أخفى إسلامه.

فتوجه نعيم إلى بني قريظة وقال لهم: تعرفون ودّي لكم وخوفي عليكم، وتعرفون ماذا جرى لكل من بني قينقاع وبني النضير، فقالوا له ماذا ترى؟ فقال: أنتم تحالفتم مع القبائل العربية، فهم سيتركونكم ويذهبون إلى بلادهم، وأنتم المجاورون للمسلمين فأنصحكم ألا تدخلوا في هذه الحرب، وإذا أردتم أن تشاركوا فيها فاطلبوا من قريش رهائن سبعين شريفاً منهم، حتى تضمنوا أن لا تترككم القبائل العربية، فأرجوا أن تكتموا ذلك عني. فاقتنعوا بوجهة نظر نعيم بن مسعود، ثم ذهب إلى قريش فاجتمع برؤسائهم وقال لهم: انتم تعرفون ودّي لكم ومحبتي إياكم، وإني محدثكم حديثاً فاكتموه عني، فقالوا: تفضل. فقال لهم: إن بني قريظة قد ندموا على ما فعلوه مع محمد، وخافوا منكم أن ترجعوا وتتركوهم معه، لذا فإنهم يطلبون رهائن سبعين شريفاً منكم حتى يضمنوا ألا تتركوهم لوحدهم، وانهم سيرسلون رسولاً منهم يطلب ذلك. ثم أتي نعيم بن مسعود لقبلة غطفان، وقال لهم مثل ما قال لقريش.

جس النبض

لقد أراد أبو سفيان أن يجس نبض بني قريظة، فأرسل لهم وفداً يدعوهم للقتال غداً (السبت) فقالوا: إنّا لا يمكننا أن نقاتل في يوم السبت، لأن ما أصابنا سابقاً سببه التعدي في السبت، ومع ذلك لا نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم حتى لا تتركونا وتذهبوا إلى بلادكم!! فتحقق لدى قريش وغطفان صحة كلام نعيم بن مسعود،  وتفرقت القلوب وخاف بعضهم بعضاً.. وتفكك التحالف!! وهكذا استطاع نعيم أن يحقق هدفه حيث قلب موازين المعركة، وان الحرب خدعة، وبذلك فقد خدم نعيم الإسلام، وانقذ المسلمين من مؤامرة كبيرة كادت تعصف بهم.

هذا وان الله عزوجلّ قد وصف وضع المسلمين أثناء حرب الخندق بقوله: “ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ” سورة الأحزاب الآيتان 10 و11.

دعاء الرسول –صلى الله عليه وسلم-.

لقد ابتهل الرسول –صلى الله عليه وسلم- إلى الله الذي لا ملجأ إلا اليه، ودعاه بقوله: “اللهم منزل الكتاب، سريع السحاب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم” وقد أجاب الله العلي القدير دعاء نبيه محمد –صلى الله عليه وسلم- فارسل إلى الأعداء ريحاً باردة في ليلة مظلمة فخاف العرب أن يتفق اليهود مع المسلمين، وأن يهجموا عليهم في الليلة المدلهمة، فاجمع الحلفاء أمرهم على الرحيل قبل أن يصبح الصباح، وبذا أزاح الله سبحانه وتعالى هذه الغمة عن المسلمين ، ولطف بهم وأنعم عليهم فيقول عزّوجل: “ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ” سورة الأحزاب- الآية 9.

الخاتمة

إنه نُعيم بن مسعود الأشجعي، الذي قلب الموازين ، فقام بعمل محكم عظيم لم يقم به جيش بأكمله، فكم رجل يُعد بألف رجل، فلا نستخف بالأعمال الفردية التي تصدر من أناس مخلصين لله تعالى ، ومخلصين لرسوله محمد –صلى الله عليه وسلم- ويكونون مقتنعين بالأعمال التي يقومون بها ، ففي الحديث الشريف المرسل عن التابعي يزيد بن مرثد يقول عليه الصلاة والسلام: “كل رجل من المسلمين على ثغرة من ثغر الإسلام.. الله الله لا يؤتى الإسلام من قبله” والحديث ضعيف الإسناد إلا أنه صحيح في معناه، ويقول الإمام الأوزعي في هذا المجال: “ما من مسلم وهو قائم على ثغرة من ثغر الإسلام فمن استطاع ألا يؤتى الإسلام من ثغره فليفعل”.

ونذكر كل مسلم بالحديث النبوي الشريف “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” أخرجه البخاري وأحمد والترمذي وغيرهم عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. فلا يجوز للمسلم أن يتهرب من المسؤولية، كما لا يجوز له أن يحمّل غيره المسؤولية وينسى نفسه، فكل مسلم ملزم أن يتحمل المسؤولية كل في موقعه، وحسب إمكاناته وطاقته، وعلى كل مسلم أن يحاسب  نفسه قبل أن يحاسب غيره.

“وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ” سورة الأحزاب الآية 4.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.