|
حديث الجمعة الديني : مشاهد من المعراج |
|
|
|
Saturday, 10 July 2010 |
|
تلك هي معجزة الاسراء والمعراج التي شغلت حيزا كبيرا، وحبا عظيما في قلوبنا وعقولنا
واحاسيسنا ومشاعرنا وج وارحنا، ليس في السابع والعشرين من شهر رجب من كل عام فحسب
بل في
كل يوم، في كل ساعة، في كل لحظة من لحظات حياتنا اليومية.
اننا لا نبالغ او نزايد فيما نقول، فالانسان كما لا يستطيع ان يحيا بدون الماء والكهرباء فانه
لا يستطيع ايضا ان يحيا بدون عقيدة، فالماء والهواء للحياة المادية، والعقيدة للحياة الروحية
والمعنوية، وبما أن معجزة الاسراء والمعراج هي جزء من العقيدة الاسلامية، فان هذه المعجزة هي حية
فينا بشكل دائم ومستمر.
هذه المعجزة التي لا نملّ من احياء ذكراها ولا يعترينا السأم ولا الضجر من التأكيد عليها.
ليلة مشهودة لا نظير لها
لقد كانت ليلة الاسراء والمعراج من الليالي المشهود لها والتي لا نظير لها بالنسبة للانبياء والمرسلين
والملائكة اجمعين والذين قد استنفروا للقاء الاخ الصالح والنبي الكريم محمد بن عبدالله «صلى الله
عليه وسلم »، ولم يكن استقبالهم للرسول صلى الله عليه وسلم في السموات العلا فحسب بل هبطوا
الى الارض، وذلك لاستقباله والاحتفاء به في رحاب المسجد الاقصى المبارك حيث صلى النبي «محمد
صلى الله عليه وسلم » بهم اماما، فان هبوط الانبياء الى الارض يمثل معجزة ربانية فوق المعجزات
التي رافقت رحلة الاسراء والمعراج.
ولم تكن حادثة الاسراء والمعراج مجرد حلم و مجرد تخيّل بل كان «عليه الصلاة والسلام » بجسده
وروحه وفي يقظته وليس في منامه، وهنا تكمن المعجزة الالهية التي هي مركبة من مجموعة معجزات،
فلو كان مجرد حلم او تخيل لما كانت هذه حادثة معجزة، ولما أثارت الضجة الضخمة في المجتمع المكي،
فالاعجاز يتجلى في نقلته «عليه الصلاة والسلام » بروحه وجسده معا وفي حالة اليقظة من بيته
الى المسجد الحرام، ومن المسجد الحرام الى المسجد الاقصى المبارك، ويتجلى الاعجاز اكثر فأكثر في
معراجه من الصخرة المشرفة في المسجد الاقصى المبارك الى السموات العلا... الى عالم آخر مجهول
حيث ينعدم الزمان والمكان عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وان التشكيك في معجزة الاسراء
والمعراج مرده الروايات الاسرائيلية التي ينبغي رفضها وعدم الاعتماد عليها وعدم الالتفات اليها كما
ينبغي تنقية كتب التفسير والحديث الشريف من هذه الروايات الضالة والمضللة.
مرحلتان في المعراج
لقد نقل النبي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم في المعراج من خلال مرحلتين هما:
-1 المرحلة الاولى «من السماء الاولى حتى السماء السابعة » حيث التقى بالانبياء والمرسلين: كل
في سماء من السموات السبع برفقة جبريل عليه السلام » والله سبحانه وتعالى يقول: «والنجم اذا
هوى، وما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، ان هو الا وحي يوحى، علمه شديد القوى، ذو
مرة فاستوى، وهو بالافق الاعلى، ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى، فاوحى الى عبده ما اوحى،
ما كذب الفؤاد ما رأى، افتمارونه على ما يرى » سورة النجم الايات 1 - 12 .
-2 المرحلة الثانية «سير الرسول صلى الله عليه وسلم ما بعد السماء السابعة عند سدرة المنتهى ،»
عندها جنة المأوى اذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى .»
سورة النجم الايات 13 - 18 ، حيث زج النبي محمد صلى الله عليه وسلم في سبحات النور، فنادى
على جبريل: يا جبريل، افي هذا المكان يترك الخليل خليله، قال جبريل: يعز عليّ فراقك يا رسول
الله، انك اذا تقدمت اخترقت، وانا اذا تقدمت احترقت.
يدل على ان النبي محمدا صلى الله عليه وسلم قد ارتقى مرتقى آخر، ونقل نقلة أخرى فوق
صفة الملائكية، ومعنى هذا ان محمدا صلى الله عليه وسلم قد حدث في ذاتيته شيء من التغيير
ليتناسب مع ذلك العالم «الملأ الاعلى .»
ثبوت المعراج
لقد ثبت المعراج في الكتاب والسنة، اما في الكتاب «القرآن الكريم » فان سورة النجم قد شرحت
ما حصل للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في السموات العلا.
اما في السنة النبوية فقد وردت معجزة المعراج في الصحيحين «صحيح البخاري وصحيح مسلم »
عن الصحابي الجليل انس بن مالك والصحابي الجليل جابر بن عبدالله رضي الله عنهم، كما وردت
في صحيح مسلم عن الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود والصحابي الجليل ابي هريرة رضي الله
عنهما، ويقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا المجال «واحاديث المعراج وصعوده الى ما
فوق السموات معروف متواتر في الاحاديث ». وهذا رد على المشككين الذين يدعون ان معجزة المعراج
ظنية الدلالة ظنية الثبوت!! وذلك بتأثير الروايات الاسرائيلية وتشكيك بعض المستشرقين غير
ان الادلة المشار اليها تؤكد ان المعراج قطعي الدلالة قطعي الثبوت شأنه شأن الاسراء.
مشاهد من الجنة
لقد رأى النبي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم في معراجه عدة مشاهد من اهل الجنة،
وذلك بهدف الترغيب في عمل الخير والالتزام بالطاعات، فمن هذه المشاهد:
١-مر )عليه الصلاة والسلام( على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد الزرع
كما كان فقال)صلى الله عليه وسلم(: من هؤلاء يا جبريل؟ قال له جبريل: هؤلاء المجاهدون في سبيل
الله تضاعف لهم الحسنات بسبعمائة ضعف، وما انفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين، فهذا
المشهد يجسد ثواب المجاهدين في سبيل الله.
٢- رأى )عليه الصلاة والسلام( رجلا منغمسا في النور ممسكا بساق العرش فقال صلى الله عليه
وسلم :من هذا يا جبريل؟ قال له جبريل: هذا رجل من امتك لسانه رطب بذكر الله. فهذا المشهد يجسد
العابد الذاكر الذي يتجنب اللغو والثرثرة والغيبة والنميمة والخوص في اعراض الناس .
٣- رأى )صلى الله عليه وسلم( قصرا من ذهب. فقال: لمن هذا القصر؟ فقالوا : لفتى من قريش.
فقال من هو؟ قيل: لعمر بن الخطاب.
مشاهد من النار
شاهد )عليه الصلاة والسلام( في معراجه ايضا عدة مشاهد من اهل النار وذلك للتنفير من عمل
الشر والابتعاد عن المحرمات والمحظورات، ومن هذه المشاهد:
١- مر )عليه الصلاة ولاسلام( على قوم ترضخ رؤوسهم وتكسر بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت
لا يفتر عنهم من ذلك شيء. فقال له جبريل هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة. فهذا
المشهد يجسد عقوبة الذين يتكاسلون عن اداء الصلاة المكتوبة، فما بال اناس من المسلمين يستهينون
بالصلاة ويستخفون بها او ينكرونها ويجحدونها؟
٢- مر )عليه الصلاة والسلام( على قوم على اقبالهم رقاع وعلى ادبارهم رقاع يسرحون كما تسرح
الابل والانعام يأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم. فقال له جبريل: هؤلاء الذين لا يؤدون زكاة
اموالهم. وهذا مشهد رادع لاولئك الاغنياء الذين يمتنعون عن دفع زكاة اموالهم.
٣- مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم مشافرهم كالابل يلتقمون جمرا فيجرح من اسافلهم،
فقال له جبريل: هؤلاء الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما.انه مشهد مرعب يجسد عاقبة اولئك
الذين يعتدون على اموال الايتام دون وجه حق.
٤- مر )عليه الصلاة والسلام( على قوم بين ايديهم لحم نضيج في قدر، ولحم اخر في قدر خبيث
فجعلوا يأكلون من اللحم النيئ، ويدعون النضج الطيب. فقال له جبريل: هذا الرجل من امتك تكون
عنده المرأة الحلال الطيبة، فتأتي المرأة الخبيثة فيبيت عندها حتى يصبح. والمرأة تقوم من عند
زوجها حلالا طيبا فيأتي رجلا خبيثا فتبيت معه حتى تصبح. وهذا المشهد للنفير من جريمة الزنا،
والتنفير من الخيانات الزوجية التي تنتشر في المجتمع الغربي الاباحي، واخذت هذه الظاهرة تغزو
بلاد الاسلام مع الالم والمرارة.
٥- مر الرسول صلى الله عليه وسلم على قوم بطونهم امثال البيوت يسبحون في بركة من الدماء،
وكلما نهضوا القوا بالحجارة فقال له جبريل: هؤلاء من امتك اكلة الربا. وهذا المشهد يجسد عقوبة
الذين يأكلون الربا.
٦- اتى )عليه الصلاة والسلام( على قوم تقرض السنتهم وشفاههم بمقارض من حديد، وكلما
قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء. فقال له جبريل: هؤلاء خطباء الفتنة يقولون
ما لا يفعلون. وهذا مشهد يجسد عقوبة الذين يقولون ما لا يفعلون.
٧- رأى )عليه الصلاة وال��س ال�م( قوما لهم اظافر من نحاس يدخشون بها وجوههم، فقال له
جبريل: هؤلاء الذين يغتابون الناس. وهذا مشهد يجسد عقوبة الذين يغتابون الناس. وما اكثرهم
في المجتمعات المتخلفة!
٨- رأى الرسول صلى الله عليه وسلم نساء معلقات بشعورهن. فقال له جبريل: هؤلاء اللواتي
يخرجن كاسيات عاريات. وهذا المشهد يجسد عقوبة المتبرجات غير المتحشمات، وهن في مجتمعنا
كثيرات.
التصوير والتجسيد
هذه المشاهد التي تتعلق بأهل الجنة واهل النار عبارة عن ضرب من التمثيل والتصوير والتجسيد،
وقد اتيح للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ان يراها بأم عينه في معراجه ليكون ذلك اوقع في
النفوس وابعد اثرا في جمال الفضيلة وقبح الرذيلة، ولا يسع المؤمن الا ان يصدق ما قصه الرسول
عليه الصلاة والسلام. عما شاهده في رحلة الاسراء والمعراج، والتي اوردتها كتب الصحاح والسنن.
وعلى المؤمن ان يفوض امر كيفيتها الى الله العلي القدير لان الحادثة كلها عبارة عن مجموعة من
المعجزات. والمعجزة، كما هو معلوم خارقة للعادة لا تخضع لقانون الطبيعة ولا الى تفسيرات كونية
والله عز وجل يقول : «وما اوتيتم من العلم الا قليلا » سورة الاسراء الاية ٨٥ .
المشاهد والاحكام
السؤال: كيف نوفق بين المشاهد التي شاهدها الرسول صلى الله عليه وسلم في المعراج وبين الاحكام
الشرعية التي شرعت بعد الهجرة النبوية؟ فعلى سبيل المثال: فرضت الزكاة في السنة الثانية للهجرة
اي بعد وقوع معجزة الاسراء والمعراج بأربع سنوات تقريبا فكيف شاهد الرسول صلى الله عليه وسلم
في معراجه اناسا يعذبون لانهم مانعون للزكاة؟
الج��واب: ان الكون كله معلوم عند الله عز وجل دفعة واح��دة، فلا يعتمد على الترتيب حيث
ينعدم الزمان والمكان بالنسبة لله رب العالمين. فالله جلت قدرته غير محدود وان��ه منزه عن اي
تجسيد. والحكمة من اراد المشاهد في المعراج ليرتدع المسلمون عن ارتكاب المحرمات، وليأخذوا فكرة
اولية عن التشريع الاسلامي قبل نزوله.
الخاتمة
هذا استعراض سريع لمعجزة المعراج، الشق الثاني للاسراء والمعراج وهذه هي المشاهد التي ترغب
في الخير، والتي ترهب من الشر وفي ذلك تذكرة للمؤمنين : «ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او
القى السمع وهو شهيد. ٢٢ سورة ق الاية ٣٧.
وسلام الله على رسول الله يوم مولده، ويوم بعثته ويوم اسرائه ويوم هجرته ويوم انتقاله الى
الرفيق الاعلى.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين. |