|
حديث الجمعة الديني : الشهور القمرية ووحدة المطالع - الحلقة الاولى |
|
|
|
Saturday, 24 July 2010 |
|
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد النبي الامي الامين وعلى
آله الطاهرين المبجلين وصحابته الغرّ الميامين المحجلين ومن تبعهم واقتفى اثرهم الى يوم الدين
اما بعد..
قال الله عزوجل «هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين
والحساب » سورة يونس الاية ٥. وقال سبحانه وتعالى في آية اخرى «والقمر قدرناه منازل حتى عاد
كالعرجون القديم » سورة يس الاية ٣٩ .
انه لمما يشغل بال المسلم في كل سنة، مع بداية شهر رمضان المبارك، هو ثبوت هلال رمضان، فالمسلم
حريص كل الحرص على التأكد من ثبوت الهلال، وذلك لارتباط الهلال بركن من اركان الاسلام الا وهو
الصوم، وتجول في خاطر المسلم عدة استفسارات وتساؤلات، منها: كيف يثبت هلال رمضان؟ لماذا لا
يصوم المسلمون جميعهم في مختلف الاقاليم والاقطار بيوم واحد؟ لماذا لا يعيّدون في يوم واحد؟
الى غير ذلك من الاستفسارات التي سنجيب عليها من خلال المحاور الاتية:
بدايات الشهور القمرية
مما لا يخفى ان اثبات بدايات كل من رمضان وشوال وذي القعدة وذي الحجة وسائر الشهور
القمرية الاخرى لا يكون بالفرضيات الحسابية، كما هو الحال في الشهور الغربية الميلادية، وانما
يكون الاثبات من خلال رؤية الهلال في بداية كل شهر لقول رسولنا الاكرم محمد بن عبد الله صلى
الله عليه وسلم «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين » متفق
عليه عن الصحابي الجليل ابي هريرة رضي الله عنه، والمعلوم بداهة ان اثبات اوائل الشهور القمرية
امر واجب شرعاً لارتباط عدة امور تعبدية بها، فمنها:
١-الاول من شهر رمضان المبارك: يبدأ المسلم فيه عبادة الصوم الذي هو ركن من اركان الاسلام،
ويحرم الافطار في نهاره.
٢-الاول من شهر شوال: يجب فيه اقامة صلاة عيد الفطر السعيد «فرض على الكفاية » كما تجب
فيه صدقة الفطر، ويحرم فيه الصوم.
٣-التاسع من شهر ذي الحجة: يقف الحاج فيه على جبل عرفة، والمعلوم ان الوقوف بعرفة ركن
من اركان الحج لقوله عليه الصلاة والسلام «الحج عرفة » جزء من حديث نبوي شريف رواه ابو داوود
الترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي عن الصحابي الجليل عبد الرحمن بن يعمر الديلمي رضي
الله عنه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ويستحب الصوم في هذا اليوم «يوم عرفة »
لغير الحجيج، والمعلوم ان الحج ركن من اركان الاسلام.
٤-العاشر من ذي الحجة: تجب فيه اقامة صلاة عيد الاضحى المبارك «فرض على الكفاية ». كما
تجب فيه الاضحية، ويحرم فيه الصوم، وما ينطبق على العاشر من ذي الحجة فإنه ينطبق على ايام
التشريق الثلاثة التي تلي يوم عيد الاضحى المبارك.
ضبط اوائل الشهور
حتى نتمكن من ضبط بداية كل شهر من الشهور القمرية لابد من الاهتمام والتحري عن بداية
الشهر الذي قبله، وهذا صريح في قول الرسول صلى الله عليه وسلم «احصوا هلال شعبان لرمضان »
رواه الترمذي عن الصحابي الجليل ابي هريرة رضي الله عنه. ولما ثبت عن ام المؤمنين عائشة رضي
الله عنها انها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره
ثم يصوم لرؤية رمضان، فان غمّ عليه عدّ ثلاثين يوماً ثم صام ». رواه ابو داود بإسناد صحيح.
ويتضح من هذين الحديثين الشريفين انه يجب على المسلمين ان يتحرّوا هلال شعبان وذلك لضبط
هلال رمضان، وبالتالي يمكن ضبط هلال شهر شوال، وهكذا تضبط سائر الشهور القمرية الاخرى.
احكام فقهية وملاحظات فلكية
اشير الى عدد من الاحكام الفقهية التي لها علاقة مباشرة باثبات «الهلال » وكذلك اشير الى بعض
الملاحظات الفلكية التي تعين على اثبات رؤية الهلال، وهي كما يأتي:
١-ان رؤية الهلال تكون عادة في بداية الشهر، ومن الجهة الغربية وذلك بعد غروب الشمس
بدقائق معدودة، وعليه فإن رؤية القمر في اواخر الشهر من جهة الشرق صباحاً غير معتبرة، وانما
يستأنس بها استئناساً لان القمر قد يتولد من جهة الغرب في ليلة واحدة، وقد يتولد في ليلتين،
وعليه لابد من رصده ومشاهدته من الجهة الغربية للتأكد من رؤية الهلال، وليس من الجهة الشرقية،
وليس في الفترة الصباحية.
٢ - ان ما يشاهد من جهة الشرق يكون في اواخر الشهر، ويُعرف بالهلال الثاني مجازاً ولا يعتبر
هلالاً حقيقة لأن الهلال هو الذي يهل في أول الشهر، والذي يُعرف بالهلال الاول.
٣ - تكون فتحة الهلال الاول الحقيقي الى الاعلى، اما ما يشاهد في اواخر الشهر فتكون فتحته
الى اسفل.
٤- لا يستطيع اي شخص ان يحكم خلال ساعات النهار بثبوت هلال الصوم او هلال العيد، لان
الحكم بثبوت رؤية الهلال يكون بعد الغروب وبالمشاهدة، وليس عن طريق الحسابات الفلكية، مع
الاشارة الى انه لا مانع شرعاً من الاستئناس بالحسابات الفلكية، ولكن تبقى الرؤية هي الاصل في
اثبات الهلال.
٥ - ان «الرؤية » يمكن ان تكون بالعين المجردة ويمكن ان تكون بالمنظار وبأجهزة الرصد والمراصد،
فالامر سيان.
٦ - ان تولد القمر في بداية الشهر يكون في ليلة او ليلتين، فإن تولد في ليلة واحدة يكون الشهر
السابق تسعة وعشرين يوماً، وان تولد في ليلتين يكون الشهر السابق ثلاثين يوماً، وهذا أمر يصعب
معرفته الا بعد الغروب، وهذا هو السبب في الاختلاف احياناً بين الرؤية من جهة وبين الحسابات
الفلكية من جهة اخرى، لأن الحسابات لا تستطيع ان تضبط بداية الشهر دائماً لأن تولد القمر في
بداية الشهر قد يستغرق ليلة واحدة، وقد يستغرق ليلتين، مما يتعذر اكتشاف في ذلك مسبقاً.
٧ - حينما نصوم تسعة وعشرين يوماً في معظم السنوات لا يجوز لنا ان نحكم بأن صومنا كان
ناقصاً لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «انما الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى
تروه، فإن عم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين »، متفق عليه عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي
الله عنهما، والمراد من هذا الحديث النبوي الشريف ان الشهر القمري )العربي( يكون تسعاً وعشرين
ليلة في غالب الاحيان، ويمكن ان يكون ثلاثين يوماً في حالات خاصة حين حصول الغم والضباب،
وعليه لا يجوز ان نقيس ذلك على الاشهر العربية الميلادية التي تقوم الحسابات الفرضية.
٨ - يكون اثبات هلال رمضان بشهادة رجل عدل واحد، أما اثبات هلال شوال فإنه يكون بشهادة
رجلين عدلين اثنين. وقد أشار الفقهاء الى الحكمة من ذلك بأن مشاهدة هلال رمضان يترتب عليها
الدخول في العبادة وهي الصوم، بينما مشاهدة هلال شوال يترتب عليها الخروج من العبادة، كما
هو معلوم ان الدخول في العبادة أسهل من الخروج منها، لذا يقتضي الاحتياط بشهادة عدلين اثنين
لهلال شوال لأنه خروج من عبادة الصوم.
اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا التأويل، وارزقنا اليقين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |