حديث الجمعة الديني : “شهر صفر بين التفاؤل والتشاؤم”

12 سبتمبر، 2016

المقدمة
لحلول شهر صفر الخير تطفو على السطح خرافات وتشاؤمات لدى بعض الناس جهلاً منهم بأحكام الشريعة الإسلامية أو بسبب اهتزاز في العقيدة، علماً أنّ ديننا الحنيف يدعو إلى التفاؤل ويحذّر من التشاؤم ويحارب الخرافات والأوهام والخزعبلات.
فالتفاؤل والتشاؤم لفظان متضادان في المعنى، وإذا عرف أحدهما يعرف الآخر بالضد والعكس، والتفاؤل من الفعل فأل، والتشاؤم من الفعل شأم، وعرّف التشاؤم بأنه الشر والتطيّر، وأنه ضد اليمن والخير والبركة والاستبشار التي تتعلق بالتفاؤل.
ومن البدهيات، والتي ليست من الخلافيات، أنّ ديننا الإسلامي العظيم دعا أول ما دعا إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وإلى تنقية العقيدة من أدران الشرك ومن الخرافات والخزعبلات، وركز على تثبيت الإيمان في القلوب وتقوية الصلة بين الإنسان وخالقه، ومن الأمور التي ركّز عليها: التفاؤل بالخير وعدم التشاؤم والتطير، وتمكّن ديننا الحنيف بفضل الإيمان الصادق من إذابة عادة التشاؤم التي كانت ذائعة لدى العرب في جاهليتهم ولدى الأمم والشعوب والأقوام الأخرى.

تحريم التشاؤم والتطير
لقد وردت عدة أحاديث نبوية شريفة في تحريم الاعتقاد بالتشاؤم والتطير فيقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم “لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر” رواه البخاري عن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه. ومعنى “لا عدوى” لا يجوز
ربط مرض الإنسان بنقل العدوى من الآخرين لأن المرض من الله أي لا يجوز لنا أن نعزو المرض إلى الإنسان وإنما يتوجب علينا أن نعزو المرض إلى الله سبحانه وتعالى، ومعنى “لا طيرة” الطيرة من عادات الجاهلية فقد كان العرب يربطون بين حركة وطيران الطائر وبين قيام الشخص بعمل معين أو عدم القيام به، فإذا مرّ الطائر من جهة اليمين إلى الشمال فإن الشخص يتشاءم في ذاك اليوم ويمتنع عن القيام بالعمل الذي كان مخططاً له، وإذا مرّ الطائر من جهة الشمال إلى اليمين فإن الشخص يتفاءل ويقوم بالعمل الذي كان مخططاً له، فجاء الإسلام ونهى عن التطير وأوضح أنّ حركة الطائر لا علاقة لها بتصرفات وأعمال الإنسان، ومعنى “لا هامة” الهامة اسم لطائر وهمي كان العرب في الجاهلية يعتقدون بوجوده وأنّ هذا الطائر يقف على قبر الإنسان الذي قُتل غدراً، ويبقى واقفاً على القبر حتى يأخذ أهل المغدور بالثأر له من القاتل، وقد نهى الإسلام عن هذا الاعتقاد كما نهى عن الأخذ بالثأر، ومعنى “لا صفر” كان العرب يتشاءمون من شهر صفر لارتباطه بالحروب التي كانت قائمة بينهم في الجاهلية، وقد نهى الإسلام عن التشاؤم من شهر صفر، ومن معتقدات العرب الفاسدة أنه لا يجوز الزواج في هذا الشهر وإذا جرى عقد الزواج فإن مصيره الفشل والخلاف بين الزوجين، وهذا اعتقاد باطل، كما كانوا يعتقدون أنّ عزيزاً لهم يموت في هذا الشهر، إلى غير ذلك من الأوهام والخزعبلات، هذا وقد نهى الإسلام عن التشاؤم من شهر صفر، وأطلق عليه العلماء بشهر صفر الخير وذلك لطرد التشاؤم من قلوب وعقول الناس، ويقول عليه الصلاة والسلام في حديث نبوي آخر “لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل قالوا: “وما الفأل”؟ قال: الكلمة الطيبة” متفق عليه عن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، فكان عليه الصلاة والسلام يعجبه التفاؤل الذي يتمثّل بالكلمة الطيبة، وهذا هو الموافق للفطرة الإنسانية السليمة في محبتها للخير، أما صاحب النفس المريضة فإنه يبتلى بالتشاؤم وإساءة الظن بالآخرين، فقد سأل الصحابي معاوية بن الحكم رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث مطول “ومنا أناس يتطيرون”؟ قال عليه الصلاة والسلام “ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم” رواه الإمام مسلم عن الصحابي الجليل معاوية بن الحكم رضي الله عنه، فالشعور بالتشاؤم أمر نابع من نفس الإنسان وهواجسه وأحاسيسه، ومعنى “لا يصدنكم” أي لا يجوز أن يمنعكم التطير والتشاؤم من العمل الذي كنتم عازمين على القيام به.

إشكال في تفسير حديث نبوي
هناك إشكال في حديث نبوي شريف، يقول صلى الله عليه وسلم “الشؤم في ثلاث: في المرأة، والدابة، والدار” متفق عليه عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وفي رواية “إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس”. فيدلنا عليه الصلاة والسلام أنّ العرب في جاهليتهم كانوا يعزون التشاؤم إلى هذه الأمور، أي أنّ التشاؤم لديهم كان غالباً منوطاً بأحد الأمور الثلاثة، فأراد “عليه الصلاة والسلام” أن ينبّه المسلمين بعدم الانسياق لما كان عليه العرب في الجاهلية ولا يجوز أن يفهم من إخباره لنا عن هذه الأمور بأنّ فيه إقراراً للتشاؤم، فالرسول عليه الصلاة والسلام لا يقرّ ولا يجيز التشاؤم إنما جاء الحديث الشريف إخباراً عن الأمور التي كان العرب يتشاءمون منها في غالب الأحيان، وعلى ضوء الرواية الأخرى للحديث الشريف فإنّ حرف الشرط “إن”يفيد الشك والافتراض أي على فرض إن وقع شؤم فإنّ ذلك لا يقع غالباً إلا في الأمور الثلاثة بأن كانت الدار ضيقة على أهلها، وكانت المرأة سيئة العشرة والمعاملة، وكانت الفرس مشاكسة جامحة.
النجوم والتنجيم
لقد كان العرب في جاهليتهم يعتقدون أنّ كسوف الشمس إشارة لموت عظيم أو ولادة شرير فأبطل عليه الصلاة والسلام هذا المعتقد حينما توفي ابنه “إبراهيم” وصادفت الوفاة وقوع الكسوف فيقول “إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبّروا وصلّوا وتصدّقوا” متفق عليه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ومن المؤسف أنّ بعض المسلمين في هذه الأيام يتابعون زاوية “حظك هذا اليوم” أو “أنت والنجوم” في الصحف والمجلات، ويربطونها بحياتهم اليومية، فكأنهم يصدّقون ما تتضمّن من توقعات وتحسبات، وهذا يؤثر سلباً على عقيدتهم، فالمسلم المؤمن لا يجوز له شرعاً أن يلتفت إلى هذه التحسبات والتوقعات والاحتمالات.

الخاتمة
مما لا يخفى أنّ ديننا العظيم حينما يلغي شيئاً فإنه يضع البديل مباشرة، فالخطأ يدحضه الصواب، والباطل يزهقه الحق، والشرك يدحره الإيمان، وعندما أبطل الإسلام التشاؤم أوجد البديل بالتفاؤل، وحينما حرّم اليأس أوجد الأمل.
ومن فوائد التفاؤل: الخير، الإنتاج، الثقة بالنفس، الانطلاق بالعمل الجاد، الاستقلالية، احترام الآخرين.
ومن مضار التشاؤم: الشر، الانطواء في الحياة، الكسل وعدم الإنتاج، الشك في الآخرين، الحسد، وعدم حب الخير للآخرين، الاعتماد على الغير، الاتكالية، التبعية وكثرة الشكوى.
فعلى المسلمين أن يتوجهوا إلى التفاؤل، وأن يطردوا التشاؤم بالإيمان الصادق والعقيدة الصافية، فصاحب العقيدة السليمة هو الذي يثق بالله سبحانه وتعالى حق الثقة، ويتوكّل على الله في كل أموره، اللهم إنا نسألك الإيمان الكامل والتوكل الصادق، إنك سميع مجيب.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل وارزقنا اليقين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.