اليوم العالمي لنصرة الأقصى والحريق المشؤوم

23 أغسطس، 2019

إن اليوم العالمي لنصرة الأقصى يصادف الذكرى الـ 50  للحريق المشؤوم الذي استهدف منبر صلاح الدين في المبنى الرئيس (المسجد القِبْلي) للمسجد الأقصى المبارك وكان ذلك صباح يوم الخميس في 21/ 8/ 1969 م، كما شمل الحريق أجزاء من قبة المسجد الداخلية وأتلف بعض الشبابيك والنوافذ وحرق كميات كبيرة من المصاحف والسجاجيد والبسط والمفروشات للدلالة على ان الحريق كان في عدة مواقع، وهذا يؤكد ان المجرمين كانوا اكثر من واحد، وليس فقط المجرم المدعو (مايكل دنس روهان) الذي قيل عنه انه استرالي الجنسية وانه مختل عقلياً!!
بيان الهيئة الإسلامية العليا
لقد عقدت الهيئة الاسلامية العليا بالقدس مؤتمراً صحفياً وقتئذ بعد الانتهاء من اطفاء الحريق مباشرة واصدرت بياناً حمّلت فيه السلطات الاسرائيلية المحتلة المسؤولية كاملة عن هذا الحريق العدواني للاسباب الاتية:
ان وسائل الاعلام الاسرائيلية بدأت تروج اخباراً كاذبة للتمويه وللتضليل بأن الحريق يعود الى تماس كهربائي، وذلك لصرف النظر عن السبب الحقيقي للحريق. الا ان المهندسين المختصين اكدوا ان الحريق وقع بفعل فاعل، وان الذين قاموا بالحريق هم مجموعة وليس واحداً فقط.
اكد المهندسون المختصون ان المواد التي استخدمت في الحريق هي مواد شديدة الاشتعال ومن المواد النادرة ولا توجد في الاسواق، وانما تملكها الدول والجيوش!!
عرقلة وصول سيارات الاطفاء التابعة لبلديات الخليل وبيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور والبيرة ورام الله، والتي هبّت للمشاركة في اطفاء الحريق، ولم تصل الا بعد الساعة العاشرة صباحاً في حين ان الحريق بدأ حوالي الساعة السابعة صباحاً.
بيان آخر من الهيئة
بعد صدور البيان الاول بأيام قليلة اصدرت الهيئة الاسلامية العليا بياناً آخر اكدت فيه ما تضمنه البيان الاول واضافت ادلة اخرى، وهي:
لم يعلن عن مجريات التحقيق مع المجرم مايكل دنس روهان.
إلصاق صفة الجنون والاختلال العقلي بهذا المجرم حتى تعفيه من المسؤولية عن حرق المسجد وحتى لا تحيله الى المحكمة، وبهذا اغلق الملف!!
لقد تعمدت السلطات المحتلة اخفاء هذا المجرم عن وسائل الاعلام فلم يعلن عن وجوده حتى الان.
لم تحاول السلطات المحتلة البحث عن سائر المجرمين الذين شاركوا في هذا الحريق الحاقد.
أهداف الحريق العدواني
لهذا الحريق المشؤوم تداعيات كثيرة فمن اهداف هذا الحريق ايجاد تبرير لفرض حل لمدينة القدس يهدف الى تدويلها!! ولكن أهل بيت المقدس رفضوا فكرة التدويل واعتمدوا على انفسهم وهبّوا رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً لاطفاء الحريق، وكان لي الفخر بأن اكون من ضمن المشاركين بالاطفاء، فلم يستعينوا بهيئة الامم ولا بمجلس الامن، بل قامت الهيئة الاسلامية العليا بالقدس بعقد المؤتمر الصحفي بعد الحريق المشؤوم مباشرة واعلنت تحميل المسؤولية للسلطات المحتلة، كما اعلنت عن تشكيل لجنة من المهندسين المختصين الذين باشروا بالعمل بعد الحريق، ولجنة اخرى لجمع التبرعات من المواطنين، ولجنة ثالثة لازالة آثار العدوان لتهيئة المكان للصلاة حيث تولت الهيئة الاسلامية العليا ودائرة الاوقاف الاسلامية الاشراف المباشر على ازالة آثار الحريق والعمل على بدء الترميم والصيانة للمسجد، وتعيين الطواقم الفنية اللازمة للترميم، وخلال الفترة الزمنية السابقة تمكن المهندسون من ترميم ما اصابه الحريق.
اعمار بيوت الله
ان المساجد هي من بيوت الله وسفارته في الارض، وهي منارة العلم ومنارة العلماء وأشرف الاماكن الى النفوس الطاهرة المتعبدة المطمئنة، وحسب المساجد شرفاً وفخراً ان الله رب العالمين قد اضافها الى نفسه حيث قال: ” إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ” -سورة التوبة الاية 18 – وقال تعالى في الحديث القدسي “ان بيوتي في الارض المساجد، وزوّاري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، فحق على المزور ان يكرم زائره ” اخرجه الطبراني عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-. هذا وقد اولى رسولنا الاكرم محمد -صلى الله عليه وسلم- عنايته بالمساجد فأرسى قواعد مسجد قباء في ضاحية من ضواحي المدينة المنورة في حادثة الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة الى المدينة المنورة فكان مسجد قباء هو اول مسجد اسس في تاريخ الاسلام وكان اول عمل قام به -عليه الصلاة والسلام – هو بناء هذا المسجد.
المشاركة في بناء المساجد
روى الصحابي الجليل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- انه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “مَن بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة “. اخرجه البخاري ومسلم ثم استدل الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- في فترة خلافته بهذا الحديث النبوي الشريف فأجرى الاصلاحات والتوسيعات والترميمات للمسجد النبوي، وانقذه من التصدع والانهيار كما وسع مساحته ليستوعب اكبر عدد ممكن من المصلين، وانعقد اجماع الصحابة على ما قام به الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- جميعا. فهذا الحديث النبوي الشريف قد ورد بالفاظ عامة فتشمل هذه الالفاظ كل من بنى مسجدا كبيرا او صغيرا، وسواء كان ذلك من قبل الافراد او الجماعات او اللجان او الدول، وسواء كان البناء جديدا او تجديدا او ترميما او توسيعا، ويؤكد ذلك حديث نبوي شريف اخر، ومنهم “مَن بنى مسجدا كمفحص قطاه او اصغر بنى الله له بيتا في الجنة ” اخرجه ابن ماجة وابن خزيمة عن الصحابي الجليل عبد الله بن جابر -رضي الله عنهما-. والقطاة نوع من الحمام الذي يعيش في الصحراء والبراري. ويضع بيضه في عش على الارض. والمفحص هو الموضع الذي تحفر القطاة في الارض لتضع فيه بيضها، وهو عبار عن عش ارضي. والمعلوم بداهة ان المسجد لا يقوم عمليا على مساحة تساوي مرقد طير الحمام الا انه يمكن ان تكون مشاركة الشخص في اشادة المسجد توازي مقدار عش الحمام في المساجد وذلك اذا اشترك هذا الشخص مع مئات بل الاف الاشخاص في بناء المسجد من خلال جمع التبرعات، كل حسب طاقته وحسب امكاناته. فهذا الحديث النبوي الشريف يعد من دلائل النبوة وانه عليه الصلاة والسلام ” إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ” سورة النجم -الاية 4-. ويؤخذ من هذا الحديث النبوي الشريف تشجيع الناس على المشاركة الجماعية والتعاون فيما بينهم لاشادة بيوت الله من خلال التبرع بالمال ولو كان قليلا، ومن خلال التبرع بالجهد ولو كان ضعيفا، ومن خلال الخبرة ولو كانت بسيطة. وهذا ما نشاهده في وقتنا الحاضر وعلى ارض الواقع بحمد الله وتوفيقه من تشييد الاف المساجد بمشاركات جماعية من الناس ولو رمزية بحيث يتم بناء اي مسجد بجهود متضافرة في وقت قصير. وان ما يقال : ان بناء المساجد من مهام الدولة فقط هو قول مردود لا يستند الى دليل شرعي بل ان النصوص الشرعية من الايات الكريمة والاحاديث النبوية الشريفة في هذا المجال تؤكد على الجهد الفردي وعلى المشاركة الفعلية والرمزية فيما بين الناس.
الاخلاص في بناء المساجد
لقد اشترط رسولنا الاكرم محمد -صلى الله عليه وسلم- ان يقوم العمل في اشادة المساجد على (الاخلاص) لله رب العالمين وحده فلا ينوي المسلم الا الرضا والرضوان من العلي القدير دون رياء ولا سمعة ولا تمنن فيقول عليه الاصلاة والسلام في هذا المجال “يبتغي به وجه الله ” هذا وقد ورد عن ابن الجوزي قوله “مَن كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدا عن الاخلاص .”
منع الصلاة في المساجد وتدميرها
ان من اشد الظلم ان تمنع اقامة الصلوات في المساجد او تخرب هذه المساجد وتدمر وتهدم وتقصف وتهجر.. وقد حرم القرآن الكريم ذلك كله بقوله عز وجل ” وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” -سورة البقرة -الاية 114 -. فهذه الاية الكريمة تحرم امرين اثنين، هما : الامر الاول: منع اقامة الصلوات في المساجد وحرمان المسلمين من الوصول اليها والصلاة فيها. الامر الثاني: هدم المساجد وتدميرها ونسفها وقصفها وتخريبها او احتلالها عسكريا او تحويلها الى امور تتنافى مع الاداب والاخلاق والقيم الانسانية كأن يتم تحويلها الى ابار او الى حظيرة للمواشي او اجراء حفريات تحت اساساتها او احراق محتوياتها وهكذا. وعليه فمن يساهم في احد هذين الامرين فانه يقع في اشد الظلم وابشعه، وقد وصفهم الله عز وجل بالخوف والخزي في الدنيا، ويلحقهم العذاب العظيم في الاخرة. هنا ويعد الحريق الاجرامي للمسجد الاقصى المبارك سلسلة من المؤامرات المتعاقبة على مدينة القدس والمقدسات حتى يومنا هذا، ولكن التفاف ا لحراس والمصلين المرابطين والمرابطات في بيت المقدس واكناف بيت المقدس احبط وسيحبط هذه المؤامرات، ان شاء الله بقدرة الله وعونه وتوفيقه انه مسرى رسولنا الاكرم محمد صلى الله عليه وسلم ومعراجه الى السماوات العلا، إنه اولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين التي تشد اليها الرحال.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.