حديث الجمعة الديني : أمور خمسة ونتائجها

12 سبتمبر، 2016

عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله من أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا خذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم”. أخرجه ابن ماجه، وأبو نعيم في كتابه حلية الأولياء، قال الهيثمي هذا الحديث صالح للعمل به، وهو حسن بشواهده.

معاني مفردات الحديث الشريف
(الفاحشة) المراد بها الزنا وكل فعل سيء يؤدي إلى الزنا (حتى يعلنوا بها) أي أنهم يهاجرون بالمعاصي (أخذوا بالسنين) أي أصيبوا بالقحط.
(جور السلطان) ظلم الحاكم (أخذوا بعض ما في أيديهم) أي أنّ العدو اغتصب واستولى وسلب بعض الأموال والممتلكات النقلية وغير النقلية من أيدي المسلمين.
المعنى العام للحديث الشريف
يحذرنا رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث النبوي الشريف من ارتكاب خمسة أمور ذميمة ومحرمة حتى لا نعاقب عليها عقاباً دنيوياً حال ارتكابها، ويدعو الرسول صلى الله عليه وسلم الله أن لا يدرك أصحابه الكرام رضوان الله عليهم الوقت الذي ستنتشر فيه هذه الأمور الخمسة أو المحظورات الخمس، وهي:

أولاً: انتشار الفاحشة
المراد بالفاحشة: الزنا وفعل السوء الذي يقود إلى الزنا، وهذه الفاحشة محرمة شرعاً ومنهي عنها لقول الله سبحانه وتعالى “ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً”- سورة الإسراء الآية 32.
والمعلوم بداهة أنّ ديننا الإسلامي العظيم يحرص على حفظ الأعراض والأنساب وعلى طهارة الفروج وحسن الأخلاق، فشجع الإسلام على الزواج، في الوقت نفسه حرّم الزنا وكل فعل سيء يؤدي إلى الزنا كالتبرّج وحفلات الاختلاط والرقص.. كما حرّم الإسلام انتشار هذه الفاحشة والإعلان عنها والتصريح والمجاهرة بها، فالذي يجاهر بارتكابه للزنا فإنه يكون قد ارتكب إثمين اثنين:
ارتكب إثم الزنا، كما ارتكب إثم المجاهرة بها، فإن وقع ذلك في أي مجتمع من المجتمعات فإنّ الله عزّ وجل يعاقب الأقوام والشعوب بالأمراض والأوبئة المتعددة التي لم تكن منتشرة في الأقوام والشعوب السابقة كأمراض الإيدز والسرطان والقلب المنتشرة في هذه الأيام في العالم، وكذلك الأمراض التي تدبّ في الحيوانات والطيور مثل: جنون البقر وأنفلونزا الطيور!!

ثانياً: تطفيف المكيال والميزان
لقد نهى الإسلام عن التلاعب بالمكاييل والموازين، وعدَّ التلاعب أسلوباً من أساليب الكسب الحرام وأكل أموال الناس بالباطل، فيقول رب العالمين “ويل للمطففين. الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون” سورة المطففين الآيات 1-3.
وفي حالة حصول التطفيف في الكيل أو الميزان بين الناس فإنّ الله سبحانه وتعالى يعاقبهم بالقحط والفقر، وبظلم السلطان وكبت الحريات وقسوة القوانين والأنظمة المفروضة عليهم، والمراد (بالسنين) جمع سنة، وهي العام المقحط الذي لم تنبت فيه الأرض شيئاً سواء نزل المطر أو لم ينزل.

ثالثاً: منع أداء الزكاة
من المعلوم بداهة أنّ الزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، ويتوجّب على المسلم إخراج الزكاة، إذا بلغ لديه نصاب المال، وهي حالة امتناع الناس عن أداء الزكاة، فإنّ الله عزّ وجل يعاقبهم بحبس المطر عنهم.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ انحباس الأمطار مؤشر على الغضب الرباني، أما نزول الأمطار فلا يدل على الرضا ولا يدل على السخط، وإنما ينزل المطر رأفة بالشيوخ الركّع والأطفال الرضّع والبهائم الرتع.
وعليه فإننا نلاحظ أنّ المسلمين يصابون بالقلق والاضطراب حين انحباس الأمطار لأنهم يشعرون بأنّ الله سبحانه وتعالى غير راضٍ عنهم، فيشرعون بالصلوات والأدعية والتضرّع لينزل الله المطر، حينئذ يطمئنون بأنّ السخط الربّاني قد رُفع عنهم.

رابعاً: نقض العهد
هو أمر منهيّ عنه، فلا يجوز للمسلم أن يغدر أو يخدع أو يخلف الوعد أو يطعن من الخلف، وإنما طلب منا الإسلام حفظ الأيمان والعهود والمواثيق والمواعيد لقوله عزّ وجل “أوفوا بالعهد، إنّ العهد كان مسؤولاً” سورة الإسراء الآية 34، وما ينطبق على الأفراد فإنه ينطبق على الجماعات والشعوب والأمم والحكومات والدول.
هذا ومن نقض العهود الإشراك بالله، وعدم الاستقامة وإنكار الأنبياء والمرسلين، وفي حالة قيام الناس بنقض العهد فإنّ الله سبحانه وتعالى يسلّط عليهم عدواً من غيرهم، فيتغلّب عليهم ويأخذ بعض ما في أيديهم من الأموال والممتلكات والأراضي والعقارات، ويلحق بهم الهزائم والخسائر والظلامات.

خامساً: الحكم بغير ما أنزل الله
كما هو معلوم بداهة أن المسلم ملزم بالاحتكام إلى الكتاب والسنة في جميع أقواله وأفعاله وتصرفاته، وما ينطبق على الأفراد فإنه ينطبق على الجماعات والشعوب والأمم والدول، والله سبحانه وتعالى يقول “وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك” سورة المائدة الآية 49، وهناك عشرات الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحثّ على ذلك.
وفي حالة الحكم بغير ما أنزل الله، وعدم اختيارهم ما أنزل الله رب العالمين يعاقب الأقوام بالشقاق والنفاق وبالذلة والفتن والاضطراب، وبالخلافات الداخلية وقتال بعضهم بعضاً، دون رقيب ولا حساب حتى تنتفي الرحمة فيما بينهم.

الخاتمة
هذه خصال خمس- أمور خمسة على الناس أن يتجنبوها أفراداً وجماعات وشعوباً ودولاً، حتى لا ينزل الله سبحانه وتعالى عقابه الدنيوي عليهم، بالإضافة إلى العقاب الآخروي، وهي:
1- أن يحفظوا فروجهم، وأن يقلعوا عن فاحشة الزنا، وأن لا يقعوا في أحابيلها ومسبباتها.
2- أن يوفوا بالكيل والميزان، وأن لا يتلاعبوا فيه ؛ لا في البيع ولا في الشراء، ولا في أي معاملة من المعاملات.
3- أن يقوموا بفريضة الزكاة، بأن يؤدوا زكاة أموالهم التي هي حق للفقراء والمساكين والمحتاجين، ولا يجوز للأغنياء أن يمتنعوا عن أدائها.
4- على المسلمين أن يلتزموا بالعهود والمواثيق، وأن يتقيدوا بها ويحترموها، وأن يحافظوا على عهدهم مع الله سبحانه وتعالى بتنفيذ أوامره، ومع رسوله محمد –صلى الله عليه وسلم- بالتزام سنته وهديه.
5- يتوجب على المسلمين الالتزام بالقرآن الكريم والسنة المطهرة ، وعدم الاحتكام إلى القوانين الوضعية والأنظمة الأرضية الفاسدة.

اللهم فقّهنا في الدين وعلّمنا التأويل وارزقنا اليقين.
“والله يقول الحق وهو يهدي السبيل” سورة الأحزاب-الآية 4.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.