حديث الجمعة الديني : “استقبال العام الدراسي الجديد”

17 ديسمبر، 2016

 

يتوجه، بعون الله ورعايته وحفظه، مئات الآلاف من الطلاب والطالبات من ابنائنا وبناتنا، فلذات اكبادنا، الى مقاعد الدراسة للبدء بعام دراسي جديد وهم يحملون حقائبهم المدرسية التي يختبىء فيها الغد المنتظر!! وذلك لينهلوا من العلم والمعرفة. ولا خلاف ان التعليم أمر ضروري ومهم، ومطلب انساني ومظهر حضاري ولا غرابة اذا قلنا: ان العلم كالماء والهواء بالنسبة للانسان لا غنى عنه.

القرآن الكريم والحث على التعليم

ان عنايتنا بالتعليم ليس بالامر المستغرب ولا هو بالمستهجن فنحن بحمد الله أمة راقية، امة واعية، امة حضارية، امة عريقة بفضل ديننا الاسلامي العظيم، منذ خمسة عشر قرناً. فقد تأسست امتنا على التعليم، وذلك استلهاماً من القرآن الكريم الذي طلب منا القراءة والكتابة والبحث العلمي اي قبل ان يطلب منا الايمان بالتوحيد او الالتزام بالاحكام الشرعية التكليفية العملية، فيقول عزوجل في القرآن الكريم “اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم ” سورة العلق الايات ١- ٥. فهذه الايات الكريمة هي اول الايات نزولاً في القرآن الكريم، فالعلم هو الذي يقود الانسان الى الايمان بالخالق عزوجل، ونستعين بالعلم على فهم ظواهر الكون والانسان والحياة، وعلى كشف الحق والحقيقة، ويقودنا الى اليقين والثبات والى المعرفة والعرفان، والى دراسة الاحكام الشرعية التكليفية العملية، وإلى البحث العلمي، ونهضة الأمم والشعوب.

ما ترشد اليه آيات سورة العلق

  1. وجوب تعلم القراءة، ومن المعلوم بداهة ان القراءة هي بداية المعرفة لكل انسان.

 

 

  1. وجوب تعلم الخط والكتابة، ومن المعلوم بداهة ايضاً ان الكتابة ضرورية لنشر المعرفة بين الناس، وان القلم هو الاداة الفعالة في التوثيق وحفظ المعرفة ونقلها للآخرين، ولولا القلم لتعرضت امور كثيرة للضياع والاندثار. ومن المعلوم ايضاً ان “الطباعة ” قد انبثقت من فكرة الكتابة بالقلم الذي اشار اليه القرآن الكريم قبل خمسة عشر قرناً. هذا ولاهمية “القلم ” فإن الله عزوجل قد اقسم به بقوله “ن . والقلم وما يسطرون ” سورة القلم الاية ١. فإن حرف “الواو ” هو للقسم اي ان الله سبحانه وتعالى يحلف بالقلم، فإن علماء التوحيد اشاروا ان الله رب العالمين يحلف بالمخلوقات اما الانسان فلا يحلف الا بالخالق وحده فقط. ومعنى «يسطرون » يكتبون. وسميت السورة بالقلم للتأكيد على اهميته ايضاً. وذكر الامام البخاري في صحيحه بأن اول ما خلق الله عزوجل هو (القلم ) لاهميته، وان الملائكة تستعمل القلم لتسجيل الحسنات والسيئات، وهذا كله اشارة الى اهمية التعليم.
  2. الحث على البحث العلمي وعلى التقصي للحقائق، وذلك للتوسع في العلم والمعرفة، وللتوصل الى افكار جديدة ومكتشفات علمية حديثة ومتطورة ومبتكرة لم يكن يعرفها الانسان من قبل.

فقد حثّ رسولنا الاكرم محمد -صلى الله عليه وسلم- على طلب العلم وعلى حضور دروس العلم في عشرات الاحاديث النبوية الشريفة، واكتفي بايراد ثلاثة منها:

1- “..ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً الى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم الا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن ابطا به عمله لم يسرع به نسبه” – رواه مسلم عن الصحابي الجليل ابي هريرة -رضي الله عنه-.

2- “…وان العلماء ورثة الانبياء، وان الانبياء لم يوّرثوا ديناراً ولا درهماً، وانما ورثوا العلم. فمن اخذه اخذ بحظ وافر” – رواه احمد وابو داود والترمذي وابن ماجة والدارمي عن الصحابي الجليل ابي الدرداء -رضي الله عنه- واسناده حسن.

3- “طلب العلم فريضة على كل مسلم” – رواه الترمذي عن الصحابي الجليل انس بن مالك -رضي الله عنه-. ولفظ (مسلم ) هو لفظ عام في دلالته فيشمل الذكر والانثى على حد سواء.

ملاحظات تربوية وتعليمية

حتى تستمر العملية التربوية والتعليمية في طريقها السليم القويم، وحتى يأخذ الانسان حقه وحظه من التعليم لابد من مراعاة النقاط الاتية من باب التذكير لا التنظير:

  1. من واجبات المعلم ان يحضر دروسه تحضيرا جيدا معمقا قبل دخوله حصة الصف، وان لا يعتمد على تحضيراته السابقة فقط، وان لا يستهين بعقول الطلاب والطالبات، فالطالب مهما كان صغيرا الا انه يملك القدرة والملكة على التمييز بين المعلم الناجح والمخلص، وبين المعلم الضعيف وغير المخلص.
  2. ينبغي على المعلم ان يحاول اكتشاف المواهب والطاقات الكامنة في الطالب لتنميتها ورعايتها وتنشيطها فالمعلم اقدر شخص على القيام بهذه المهمة الجليلة.
  3. ينبغي ان ينسى المعلم همومه الخاصة والشخصية والعائلية حين دخوله غرفة الصف .
  4. ينبغي على المعلم ان يظهر محبته لتلاميذه، وعنايته بهم حتي يشعر الطلبة بالهدوء والسكينة والطمأنينة والامن والاستقرار، حينئذ تزداد الرغبة لديهم في طلب العلم وتحصيله.
  5. على الطالب ان يتفهم معنى الحرية الممنوحة له وان يلتزم حدودها ولا يجوز له ان يستغلها لاحداث الفوضى والتمرد على النظام المدرسي، لان هذا من شأنه ان يؤدي الى ارباك العملية التربوية والتعليمية.
  6. ان يحرص الطلبة على الانتظام في مدارسهم والاستعداد لدروسهم اولا بأول، فلا يؤجل الطالب عمل اليوم الى الغد.
  7. ان يتجسد الاحترام والتقدير للمعلمين من قبل الطلاب ومن قبل اولياء امور الطلاب ايضا، وذلك ليتحقق الامن التعليمي.
  8. يتوجب على اولياء امور الطلاب والآباء والأمهات والاهالي متابعة ابنائهم تعليميا وسلوكيا في ساعات المساء، ولا يجوز لهم القاء المسؤولية الكاملة على المعلمين فقط.
  9. ان يتعاون المواطنون جميعهم مع الهيئات التدريسية، وذلك لانجاح العملية التربوية والتعليمية، والعمل على استقرار التعليم في المدارس حتى يتسنى للمعلمين اداء واجبهم التعليمي والتربوي، وليتمكنوا من القيام برسالتهم الانسانية السامية، وذلك بتطبيق المناهج التي تربطنا بتاريخنا وحضارتنا وثقافتنا، فلا يجوز تطبيق المناهج الاحتلالية التي تتنافى وتتناقض مع قيمنا وديننا وتراثنا.
  10. ان يتعاون المواطنون جميعهم على معالجة ظاهرة تسرب الطلاب من المدارس، وان يتعاون الجميع على تخطي الصعوبات التي تواجه الطلاب في هذه الظروف القاسية الاستثنائية.
  11. كما ان التعليم من حق الطالب فهو ايضا من حق المجتمع، فحين ينتشر التعليم بين المواطنين فان ذلك ينعكس ايجابا على المجتمع.
  12. واخيرا وليس آخرا فاننا نحرص ان يكون المعلم في وضع اقتصادي مستقر ، وان تصرف له الرواتب الشهرية بشكل منتظم وعلى الجميع ان يتعاونوا في هذا الاتجاه.

هذه الملاحظات المختصرة ليست خافية على المعلمين الكرام، وانما طرحتها من قبيل التناصح والتذكير “وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين ” سورة الذاريات الاية 55. فقد صدرت هذه الملاحظات عن انسان يحب مهنة التعليم وقد اختارها طواعية عن المهن الاخرى وسبق ان زاولها ردحا من الزمان وقضى شبابه فيها، ولا يزال متعلقا بها ويتابعها باهتمام بالغ، والحمدلله الذي وفقني ان بدأت حياتي العملية معلما، فهي أرقى وأسمى مهنة حضارية وإنسانية.

الخاتمة

هذا الدين الاسلامي العظيم قد بعث الامم والشعوب من مواتها، وذلك عن طريق العلم، وحثّ عليه من خلال عشرات الايات الكريمة والاحاديث النبوية الشريفة، وتمكن العلم ان يرقى بالامة، فلا غرابة ان يتفوق الشعب الفلسطيني في نسبة المتعلمين لديه حيث اشارت الاحصاءات الدولية مؤخرا ان نسبة المتعلمين في فلسطين تفوق النسبة لدى شعوب منطقة الشرق الاوسط آخذين بعين الاعتبار عدد السكان. واخيرا اقول لاخواني وزملائي المعلمين والمعلمات: انتم قبس من نور، قبس من رسالة الانبياء والمرسلين، فطوبى وهنيئا لكم، واحرصوا على تطبيق المناهج المرتبطة بقيمنا وثقافتنا وحضارتنا وتراثنا وتاريخنا.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.