حديث الجمعة الديني: “السنة النبوية و”القرآنيون”

17 ديسمبر، 2016

المقدمة

تطفو على السطح بين الفينة والأخرى دعاوى وشبهات وأباطيل مفادها أن القرآن الكريم قد حوى كل شيء، واستدل أصحاب هذه الشعارات الخادعة المشبوهة بقوله عزوجل “… مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ.” سورة الأنعام الآية 38. ويحرفون في مدلول هذه الآية الكريمة ويزعمون بقولهم: ما حاجتنا في السنة النبوية؟! ونجيبهم: نعم إن القرآن الكريم لم يفرط من شيء حيث أمرنا باتباع الرسول r وأمرنا بطاعته، وأمرنا بأخذ والتزام كل ما أتى به (عليه الصلاة والسلام). ثم يزعم هؤلاء المشبوهون: هل أن المسلمين ملزمون بما ورد في الأحاديث النبوية الشريفة من أحكام شرعية؟! وما مرتبة هذه الأحكام؟ سأجيب عن هذه الدعاوى والشبهات والأقاويل من خلال النقاط الآتية:

تعريف السنة

السنة في اللغة: الطريقة. ومن ذلك قول الرسول  r “من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً.” رواه مسلم عن الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه. كما رواه أحمد والبيهقي وابن ماجه وابن خزيمة مع اختلاف بسيط في اللفظ.

 

معنى السنة اصطلاحاً: ما صدر عن الرسول r من قول أو فعل أو تقرير. وهناك تعريفات أخرى متطابقة. وأكتفي بذكر مثال واحد عن كل من القول والفعل والتقرير من السنة النبوية. أما القول: يقول الرسول r “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.” رواه البخاري ومسلم عن الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وأما الفعل: يقول الرسول r “خذوا عني مناسككم.” رواه مسلم عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. أي خذوا عني ما أقوم به من أفعال تتعلق بمناسك الحج.

وأما التقرير: فقد بعث (عليه الصلاة والسلام) والناس يتعاملون بالبيع والشراء فأقرهم على المعاملات. وهنالك الآلاف من الأمثلة على السنة النبوية التقريرية.

حجيّة السنة النبوية

تعدّ السنة النبوية المطهرة المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، والبراهين على ذلك متعددة من القرآن الكريم نفسه، أذكر بعضاً منها:

  1. يأمرنا الله عز وجل بطاعة الرسول r، وإن طاعتنا للرسول عليه الصلاة والسلام مقترنة بطاعة الله سبحانه وتعالى، وإن طاعتنا للنبي محمد r دلالة على طاعتنا لله رب العالمين فيقول عز وجل “ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ…” سورة آل عمران الآية 32. ويقول أيضاً “ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ” سورة النساء الآية 80.
  2. يأمرنا الله سبحانه وتعالى بالاقتداء والتأسّي بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام فيقول عز وجل “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً.” سورة الأحزاب الآية 21. فإن التأسّي بالرسول (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) مرتبط بالإيمان بالله واليوم الآخر.
  3. يأمرنا الله رب العالمين باتباع كلّ ما يأتينا به الرسول r فيقول عز وجل “ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ” سورة الحشر الآية 7.
  4. يأمرنا الله سبحانه وتعالى برد المنازعات إلى الله أي إلى القرآن الكريم، وإلى الرسول أي إلى السنة النبوية بقوله “َإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا.”سورة النساء الآية 59، فإن رد المنازعات إلى الله والرسول مرتبط بالله واليوم الآخر أيضاً.
  5. يأمرنا الله عز وجل بتحكيم الرسول r فيما يقع من الاختلاف بين المسلمين ويأمرنا أيضاً القبول بما يحكم به، وربط ذلك بالإيمان أيضاً، ولا إيمانَ لمن يرفض حكم الرسول r فيقول سبحانه وتعالى “ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ” سورة النساء الآية 65.
  6. يحذرنا الله عز وجل أن تكون محبتنا لأمور الدنيا مرجحة على محبتنا لله ورسوله فيقول سبحانه وتعالى “قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” سورة التوبة (براءة) الآية 24.

هذا غيض من فيض الآيات الكريمة التي تؤكد أن السنة النبوية هي مصدر التشريع الثاني في الإسلام، حيث تأتي بعد القرآن في التشريع.

علاقة السنة بالقرآن في مجال الأحكام

إن الأحكام الشرعية التي جاءت بها السنة النبوية على أنواع أوضحها مع بيان علاقتها بالقرآن الكريم:

  1. النوع الأول: أن تكون السنة النبوية مقررة ومؤكدة لما جاء في القرآن الكريم من أحكام، فمن هذه الأحكام: الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، والنهي عما يأتي: الشرك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وأكل الربا والغيبة والنميمة.
  2. النوع الثاني: أن تكون السنة النبوية مفصّلة ومفسّرة وشارحة لما جاء في القرآن الكريم من أحكام، وبخاصة أنّ الله عز وجل قد طلب من نبيه المصطفى r تبيان آيات القرآن للناس بقوله سبحانه وتعالى “ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ” سورة النحل الآية 44. (الذكر) هو القرآن الكريم. والمعلوم أن القرآن الكريم قد أشار إلى عدة أحكام بشكل مجمل موجز لا يستطيع المسلم فهمها كما لا يستطيع تنفيذها عملياً إلا بعد شرح وتفصيل وهذا الأمر منوط برسولنا الأكرم محمد r الذي هو وحي يوحى، وهو المكلف من الله رب العالمين بشرح ما هو مجمل في القرآن الكريم.

فالذين يزعمون بأنهم يكتفون بالقرآن الكريم يكابرون ويعاندون ويقصدون بذلك هدم الإسلام وعزل القرآن عن التطبيق العملي مثل: أحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج. فالذين يزعمون بأنهم “قرآنيون” هم في الحقيقة يهدمون القرآن الكريم وهم غرباء عن المسلمين في أفكارهم ومعتقداتهم.

  1. النوع الثالث: إن السنة النبوية قد أنشأت أحكاماً جديدة سكت عنها القرآن الكريم، فتكون هذه الأحكام ثابتة بالسنة النبوية المطهرة مثل تحريم الرسول (عليه الصلاة والسلام) الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في الزواج، وتحريم أكل كل ذي ناب من الحيوانات، وكل ذي مخلب من الطيور، وتحريم لبس الحرير والتختم بالذهب على الرجال، وإباحة ذلك للنساء.

مراتب الأحكام التي جاءت بها السنة

لا بد من الإشارة إلى أن الأحكام الشرعية تأتي في خمس مراتب (درجات)، هي: الفرض (الواجب)، المندوب (السنة)، المباح، المكروه، الحرام. وإن البعض من المسلمين يتوهمون بأن السنة النبوية جميعها تكون في مرتبة المندوب أي أنهم يخلطون بين السنة النبوية وبين ما هو مندوب، ويتصورون أن كل ما يأتي به الرسول r من الأقوال والأفعال والتقارير هي في مرتبة المندوب!! وهذا توهم خاطىء، وتصوير خطير. وإن هذا الخلط وهذا التصور وهذا التوهم يقود بالسطحيين والجهلاء إلى أن يستخفّوا بالسنة النبوية المطهرة. وعليه لا بد من التوضيح والتأكيد بأن الأحكام الشرعية التي تضمنتها السنة النبوية المطهرة لها علاقة بمراتب الأحكام بشكل عام أي أنه قد صدر عن الرسول r ما يدل على الوجوب، وصدر عنه ما يدل على المندوب، وصدر عنه ما يدل على الإباحة، وصدر عنه ما يدل على الكراهة، وصدر عنه ما يدل على التحريم.

ولا بأس أن أشير إلى مثال واحد فقط من السنة النبوية على كل مرتبة من هذه المراتب الخمسة:

  1. بيّن (عليه الصلاة والسلام) نصاب الزكاة في الأموال والأنعام وعروض التجارة وهي غير مذكورة في القرآن الكريم. وبما أن الزكاة ركن من أركان الإسلام وتتعلق بها أحكام تدل على الفرض والوجوب فإن ما يصدر عن الرسول r بشأن الزكاة فإنه يدل على الوجوب. فهل يستطيع المسلم أن يقوم أو ينفّذ أحكام الزكاة بالاقتصار على ما ورد في القرآن الكريم فقط؟! والجواب على ذلك: لا يستطيع. ومثل ذلك ما يتعلق بكيفية أداء الصلاة وهيئتها من الركوع والسجود والقعود.. وكذلك ما يتعلق بالصوم والحج. وعليه لا يمكن للمسلم أن يستغني عن السنة النبوية المطهرة.
  2. رغب (عليه الصلاة والسلام) المسلمين في استعمال السواك لتنظيف الأسنان، وهذا يدل على الندب (أي يدل على السنة باصطلاح علماء أصول الفقه) ومثال ذلك التسمية حين البدء بالأكل بذكر البسملة.
  3. هناك أحاديث نبوية شريفة تبيح الأكل والشرب بشكل عام وهذا الحكم في مرتبة الإباحة أي أن الأكل والشرب مباح باستثناء ما ورد تحريمه بالنص.
  4. هناك أحاديث نبوية شريفة تطلب منا ترك أمر على وجه الترجيح وليس الإلزام مثل: كراهة إيقاع الطلاق من الرجل على زوجته دون مبرر، وكراهة أكل الثوم والبصل أيام الجمع، وكراهة أداء صلاة العصر وقت غروب الشمس دون عذر شرعي، فهذه الأحكام تأخذ حكم الكراهة أي في مرتبة الكراهة.
  5. هناك أحاديث نبوية شريفة تنهي عن شرب الخمر، ولعب القمار وارتكاب الزنا وأكل الربا وتنهي عن الغيبة والنميمة، وهذه الأمور في مرتبة التحريم.

نخلص من ذلك إلى أن ما يصدر عن الرسول r ليس كله في مرتبة المندوب (السنة)، وما دامت السنة النبوية المطهرة ملازمة للقرآن الكريم ففيها ما يتضمن الأحكام الشرعية بمراتبها الخمسة. فأدعو المسلمين، كافة المسلمين الالتزام بالكتاب والسنة في كل زمان ومكان لتحقيق سعادة الدنيا ونيل ثواب الآخرة، وأن يحذروا ممن يطلقون على أنفسهم “القرآنيون” فهم أبعد ما يكونون عن القرآن الكريم، وأن القرآن الكريم بريء منهم.

اللهم فقّهنا في الدين وعلّمنا التأويل وارزقنا اليقين.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل” سورة الأحزاب-الآية 4.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.