حديث الجمعة الديني : “العين” في القرآن الكريم

12 سبتمبر، 2016

لقد وردت كلمة “العين” ثلاثاً وستين مرة في القرآن الكريم، وجمع “العين” أعين وعيون، وتحمل في طياتها معان شتى حسب سياقها في الآيات الكريمة، وأشير إلى أبرز هذه المعاني مستدلاً بعدد من الآيات الكريمة:
أولاً: العين الباصرة.
العين الباصرة هي عين الانسان الحقيقية التي تشاهد وتبصر المحسوس في الدنيا ، فمن هذه الآيات:
1. “قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ” سورة آل عمران- آية 13 .أي يرى المؤمنون الكافرين في غزوة بدر الكبرى (السنة الثانية للهجرة) أكثر منهم مرتين، رؤية حقيقية ظاهرة بالعين المجردة لا بالخيال ولا بالأوهام.
2. ” تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ” سورة التوبة (براءة)- آية 92. لقد بكى عدد من الصحابة الفقراء الذين لا يملكون الركب للذهاب إلى الجهاد في غزوة تبوك سنة 9هـ حيث عزّ عليهم أن يقعدوا عن الجهاد.
3. ” وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ “سورة يوسف-آية 84. أي لقد أعرض يعقوب -عليه السلام- عن أولاده كراهية لما سمع منهم، وقال ” يا حسرتي ولهفتي على يوسف، وقد ابيضت عيناه وفقد بصره من شدة البكاء، فهو كئيب حزين يكظم غيظه ويتجرع ألمه.
4. ” قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ “سورة الأنبياء- آية 61. أي أحضروا إبراهيم بمرأى من الناس حتى يروا ويشاهدوا كيف نعاقبه عبرة لغيره.!
5. ” أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ . وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ . وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ “سورة البلد –الآية 8 و9 و10. أي ألم يكرم الله سبحانه وتعالى الإنسان بأن حعل له عينين ليبصر بهما؟ ولساناً لينطق به ويعبر عما في نفسه؟ وشفتين يطبقهما على فمه حماية لجسمه من الجراثيم، وليستعين بهما على النطق وبتمكن بهما من الأكل والشرب والنفخ؟ وأوضحنا له طريق الخير وطريق الشر وسبيل الهدى والضلال ليسلك الإنسان طريق السعادة وليتجنب طريق الشقاوة؟

ثانياً: العين الجارية.
هناك آيات كريمة تتحدث عن العين الجارية في الدنيا ، وآيات كريمة أخرى تتحدث عن العين الجارية في الجنة.
من الآيات الكريمة التي تتحدث عن العين الجارية في الدنيا:
1- “وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ” سورة البقرة –آية 60. أي اذكروا يا بني اسرائيل، حين طلب موسى –عليه السلام- من ربه السقيا لقومه فقلنا له اضرب بعصاك الحجر فانفجرت من الحجر عيون الماء بعدد القبائل، وكان عدد القبائل اثنتي عشر قبيلة، وهذه احدى النعم العظيمة على بني اسرائيل حين كانوا تائهين في صحراء سيناء وعطشوا عطشاً شديداً ، فأنعم الله عليهم باثنتي عشر عيناً من الماء بحيث تأخذ كل قبيلة مكان مشربهم فلا يشاركهم فيه غيرهم.
2- ” وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ .وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ “سورة الشعراء –آية 132، و133،و134. أي يتوجب عليكم أن تتقوا الله عزّوجل الذي أنعم عليكم بنعم كثيرة من المواشي والأنعام والبنين والبساتين والحدائق الغناء والأنهار الجارية والعيون الكثيرة.
3- ” وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ “سورة المؤمنون-الآية 50. أي أن الله سبحانه وتعالى قد جعل من قصة مريم وابنها عيسى عليهما السلام آية باهرة ومعجزة قاطعة دالة على عظمة رب العالمين وقدرته وبديع صنعه حيث ولدته دون أن يمسها، (وجعلنا مأواهما في ربوة) أي –هضبة- المرتفع من الأرض، ذات أشجار وعيون دافقة على ظهر الأرض كالأنهار، ومعنى (العين) الماء الجاري الظاهر للعيون.
4- ” فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ “سورة القمر –الآيتان 11 و 12. أي أن الله سبحانه وتعالى أرسل على قوم نوح المطر الغزير المتدفق بشدة كأنه أفواه القرب، وبصورة لم تعهده الأرض قبل ذلك، كما أن الله سبحانه وتعالى فجر الأرض بالمياه والعيون المتدفقة فالتقى ماء السماء وماء الأرض على حال عجيبة، فقد شكلت هذه المياه المتدفقة طوفاناً عرف بطوفان نوح، كل ذلك بتقدير الله عزّوجل لهلاك قوم نوح الطغاة الظالمين.
5- ” قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ “سورة الملك (تبارك) آية 30. يتوعد الله عزّوجل أهل الكفر والضلال بقوله لهم” أخبروني اذا صار الماء غائراً ذاهباً في الأرض بحيث لا تستطيعون اخراجه ونضحه فمن الذي يستطيع ان يخرجه لكم ويجعله نابعاً نافعاً متدفقاً؟ هل يستطيع غير الله رب العالمين أن يأتيكم بالماء الجاري النافع؟!.
ومن الآيات الكريمة التي تتحدث عن الماء الجاري في الجنة:
1- “فيهما عينان تجريان” سورة الرحمن- آية 5
أي في كل جنة من الجنتين عين تجري بالماء الزلال، أحداهما التسنيم. والأخرى السلسبيل-انهما تجريان لسقي تلك الاشجار والأغصان فتثمر من جميع الأشكال والألوان، فماؤهما غزير وظلهما ظليل.
2- ” إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ .ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ “سورة الحجر الآيتان 45، و46.
أي أن المتقين الذين يخافون ربهم ويجتنبون محارمه لهم في الآخرة الحدائق الزاهرة والبساتين الناضرة والعيون المتفجرة بالماء السلسبيل، ويقال لهم يوم القيامة: ادخلوا الجنة سالمين.
3- ” إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ “سورة الدخان- الآيتان 51، و52.
إن هؤلاء الأبرار الذين يتقون ربهم في الدنيا يخافون عذابه أنهم سيدخلون الجنة في مكان أمين، يأمنون فيه من جميع المخاوف، وهم منعمون في حدائق وبساتين نضرة وعيون جارية.
4- ” وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ “سورة المطففين-الآيتان 27، و28.
أي يمزج ويخلط ذلك الشراب (الرحيق) من عين عالية تجري من جنة عدن وهي أشرف شراب أهل الجنة وأصفاه. تسمى(التسنيم) يشرب منها المقربون، وهذا دليل على أن درجة المقربين أعلى من درجة الأبرار في الجنة.
5- “فيها عين جارية” سورة الغاشية –الآية 12.
جاء لفظ (عين) نكرة بدون ال التعريف فهي تفيد العموم ، وإن التنكير يفيد التكثير، أي يوجد في الجنة عيون كثيرة تجري بالماء السلسبيل لا تنقطع أبداً.

ثالثاً: عين الله الراعية.
ورد لفظ (عين الله) خمس مرات في القرآن الكريم:
1- ” وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ” سورة هود-الآية 37. أي اصنع يا نوح السفن بحفظنا ورعايتنا وتحت نظرنا وبتعليمنا لك، ولا تراجعني بشأن قومك الظالمين فإنهم سيعاقبون بالغرق.
2- ” وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ” سورة طه-الآية 39. أي أن الله سبحانه وتعالى قد منّ على موسى –عليه السلام- بالمحبة فلا يكاد يراه أحد إلا أحبه، حتى أحبه فرعون وعاش في قصره منعماً مكرماً ، وهذه كرامة الله عزّوجل لموسى –عليه السلام- بأن يجعل الأعداء يحبونه، وأن يكون في حماية الله وحفظه ورعايته.
3- ” وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ” سورة الطور آية 48.
إن الخطاب في هذه الآية الكريمة موجه إلى رسولنا الأكرم محمد –صلى الله عليه وسلم- للتحلي بالصبر ولتقبل قضاء الله وحكمه، لأنه –عليه الصلاة والسلام- بحفظ الله وحمايته ورعايته، وان الله عزّوجل يطالبه بالتسبيح والتمجيد لله رب العالمين حين يقوم من فراشه ومن مجلسه أي يسبح الله في كل وقت وحين.
4- ” فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ” سورة المؤمنون-الآية 27
لقد أوحى الله عزّوجل إلى سيدنا نوح عليه السلام ان اصنع السفينة بحفظنا ورعايتنا وبأمرنا وتعليماتنا.
5- ” وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ . تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ” سورة القمر الآيتان 13، و14. أي أن الله سبحانه وتعالى حمى نوحاً –عليه السلام- ومن آمن معه حيث ركبوا السفينة التي علمناه صنعها وهي عبارة عن ألواح (أخشاب عريضة) وعن دسر (مسامير، جمع دسار وهو مسمار) حتى تبقى السفينة قوية متماسكة، والمعلوم أن نوحاً (عليه السلام) أول مخترع للسفينة بتعليم من الله رب العالمين، ولم يكن قبل ذلك يعرف ركوب البحار، وان السفينة قد أنجاها الله عزّوجل من الطوفان، وأنها تسير بمرأى من ربّ العالمين وحفظه وحمايته ورعايته وذلك تكريماً لنوح عليه السلام لصبره على قومه وتحمل الأذى في سبيل الله، ومعنى (كفر) أي جحد فضله وكفر به، أي أن قوم نوح قد كفروا وجحدوا النعم التي كان الله قد أنعمها عليهم، فعاقبهم الله بالطوفان.

الله مع المتقبن الصابرين
إن الله ربّ العالمين ليس مع الأنبياء والمرسلين فحسب، بل إن الله سبحانه وتعالى مع المتقين والصابرين والمحسنين في كل زمان ومكان، وإن لفظ (المعية) هو لفظ مجازي، وكذلك بالنسبة للفظ “العين” فما يتعلق بالله رب العالمين، كما يقول علماء التوحيد استدلالاً بقوله عزّوجل” لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، وهو اللطيف الخبير” سورة الشورى الآية11.
فيتوجب على المسلمين أن يكونوا مع الله ليكون الله معهم ويرعاهم ويحفظهم من الشقاق والنفاق ومن الشرور والآثام، ومن الفساد والإفساد، ومن الانحرافات والمنزلقات” فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ” سورة يوسف-آية 63. إنه سميع مجيب.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وصلى الله على سينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين