حديث الجمعة الديني : “الهجرة أمل و أخوّة”

12 سبتمبر، 2016

لا يختلف اثنان ان الهجرة النبوية المطهرة تعد ابرز واكبر. واهم حدث في السيرة النبوية بل في تاريخ الدعوة الاسلامية كلها، فلا غرابة ان تكون هذه الهجرة حافلة بالاحداث والعبر والعظات فهي تمثل سفرا من الاسفار التي كان لها التأثير المباشر في تغيير المسيرة البشرية في العالم الى الافضل والى الاصلح، وهذا ما حدا بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لان يعد الهجرة النبوية منطلقا للتاريخ الاسلامي بعد ان استشار الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فكان اجماعا منهم على ذلك.

عنصر من عناصر الامل

ان الصحابي الجليل سراقة بن مالك -رضي الله عنه- هو الذي وعده رسولنا الاكرم محمد -صلى الله عليه وسلم- بأساور كسرى، ملك الفرس.

والسؤال: متى كان هذا الوعد؟ ومتى تم تنفيذه؟

والجواب: حين كان -عليه الصلاة والسلام – مهاجرا الى المدينة المنورة لحقه في الطريق سراقة بن مالك، الذي كان مشركا وقتئذ، وذلك طمعا بالحصول على الجائزة التي خصصها اهل مكة لمن يلقي القبض على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، تلك الجائزة التي كان مقدارها مائة من الابل، وكلما كان سراقة يحاول الاقتراب من ركب الرسول -صلى الله عليه وسلم- فان فرسه تكبوبه، وفي المرة الثالثة كبا فرسه كبوة قوية اسقطت سراقة عن فرسه وتدحرج على الارض، فتخوف سراقة من عاقبة الامور ونتائجها، ودخل في روعه ان الالهة مانعته من الوصول الى ضالته حسب معتقداته الجاهلية!! فنادى سراقة باعلى صوته: “انا سراقة بن مالك، انظروا لي اكلمكم ” فتوقف الرسول -عليه الصلاة والسلام- ومعه ابوبكر الصديق -رضي الله عنه-، والدليل (عبدالله بن اريقط) الذي كان مشركا، وبالرغم من ان ابا بكر -رضي الله عنه- كان متخوفا من سراقة وكان رأيه الاستمرار في المشي وعدم التوقف، الا ان الرسول -عليه الصلاة والسلام- امره بالتوقف فوصل سراقة اليهم وقصّ عليهم ما حدث معه، فأمر -عليه الصلاة والسلام – ابابكر ان يكتب لسراقة اساور ملك الفرس مكافأة له على موقفه للتراجع عن هدفه ومهمته، وان لا يفضي لاهل مكة بأي خبر!
الامل العريض

نعم، ان رسولنا الاكرم محمد -صلى الله عليه وسلم- صاحب القلب الكبير والايمان العظيم والامل الايماني العريض،  يعد سراقة بأساور كسرى ملك الفرس، ودولة الفرس، كما هو معلوم، كانت احدى اكبر دولتين في العالم وقتئذ، فان الدولة الاخرى هي دولة الروم في حين كان-عليه الصلاة والسلام- طريدا مهاجرا الى المدينة المنورة! الا ان ايمانه بالله العلي القدير كان كبيرا عظيما قويا رغم ما لاقاه من السفهاء والغوغاء في مكة والطائف، الا انه لم تلن قناته ولم تهن عزيمته ولم تضعف همته مع الاشارة الى ان فئة الغوغاء والسفهاء موجودة في كل زمان ومكان منذ عهد الانبياء والمرسلين الى يومنا هذا والى قيام الساعة.

دلائل النبوة

ان من دلائل النبوة ان يتحقق وعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولو بعد حين فان حليفه النصر المبين له ولامته، ودارت الايام وانتصر المسلمون في معركة القادسية ” 15ه/ 636 م “

بقيادة الصحابي الجليل القائد سعد بن ابي وقاص -رضي الله عنه-، وهوى عرش كسرى بعد خمسة عشر عاما فقط من حادثة الهجرة النبوية، وارسل القائد سعد بن ابي وقاص –رضي الله عنه- الغنائم الى امير المؤمنين عمربن الخطاب -رضي الله عنه-، بما فيها اساور كسرى، فقال عمر: ما اشد امانة سعد . فقال علي: يا امير المؤمنين، لو رتعت لرتعوا، ثم ارسل عمر الى الصحابي الجليل سراقة بن مالك ليسلمه اساور كسرى تنفيذا للوعد النبوي، وجاء سراقة متوكئا على عصاه وقد امدّ الله عز وجل في عمره ليتحقق الوعد الذي لا يتخلف. واستلم سراقة اساور كسرى في احتفال مهيب حضره جمع غفير من الصحابة والتابعين وهم يبكون بكاء الحزن على فراق الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- ممزوجا ببكاء الفرح لتحقق الوعد النبوي ولتحقيق النصر المبين للمسلمين، واذ بسراقة يتبرع بهذه الاساور الى بيت مال المسلمين، ولم يمض وقت قصير حتى توفي سراقة راضيا مرضيا، وبعد ان انتهت المهمة التي من اجلها امدّ الله في عمره.

دور سراقة في الهجرة النبوية

يمكن ابراز دور سراقة في الهجرة النبوية من خلال النقاط الاتية:

1-  لقد تراجع سراقة عن ملاحقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- اثناء الهجرة.

2- كتمان السر من التقائه بالرسول عليه الصلاة والسلام فلم يشعر اهل مكة بذلك مما سهل الامر للرسول صلى الله عليه وسلم التحرك والتنقل حتى وصل المدينة المنورة دون مطاردة ودون ملاحقة.

3-  بث الامل في نفوس الصحابة -رضي الله عنهم- بان الاسلام سينتشر في بقاع العالم، وان دولة الفرس ستندحر وتسقط.

الهجرة جمعت والفت

ان الهجرة النبوية علمتنا كيف تكون المحبة والالفة والوحدة بين المسلمين وبين الناس اجمعين، وكيف تكون التضحيات التي بذلها المهاجرون والانصار الذين مدحهم الله عزوجل بقوله ” وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ” سورة الانفال الاية 74 . بهذا الايمان العظيم تحققت المؤاخاة الفريدة بين المهاجرين والانصار، هذه المؤاخاة التي تعد اكبر واعظم واعمق مؤاخاة في تاريخ البشرية، فقد الفت بين قبيلة الاوس وقبيلة الخزرج اولا ثم الفت بين المهاجرين الذين هاجروا من مكة الى المدينة وبين الانصار الذين يمثلون الاوس والخزرج والله سبحانه وتعالى يقول “وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ” سورة الانفال الاية 63. فالهجرة ليست خياما ولا اكلا ولا شربا، وانما الهجرة جهاد وحياة كريمة ووصول الى الهدف المنشود، كما ان الهجرة ليست فرارا وخوفا وهروبا من المسؤولية بل هي الاقدام والشجاعة والبناء وتحمل المسؤولية.
الخاتمة

انني اذ انتهز حلول ذكرى الهجرة النبوية الشريفة لادعو المسلمين، جميع المسلمينالى تدريس السيرة النبوية المطهرة فهي حافلة بالمواقف الايمانية وبالاحكام الشرعية العملية وبالاخلاق الكريمة الحميدة فمن مؤهلات الداعية المسلم الناجح ان يكون ملما بهذه السيرة النبوية الشريفة وان يكون ملتزما باحكامها ومتخلقا باخلاقها حتى ينجح في مهمته وليكسب الثواب العظيم خلال دعوته لقول رسولنا الاكرم صلى الله عليه وسلم :”لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ” متفق عليه عن الصحابة الاجلاء علي بن ابي طالب ومعاذ بن جبل وسهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنهم-، وفي حديث نبوي شريف اخر: “لان يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت”- حديث حسن رواه الطبراني عن الصحابي الجليل ابي رافع -رضي الله عنه-.

ونطالب الاباء والامهات باقتناء كتاب في السيرة النبوية بالاضافة الى القرآن الكريم حتى تبقى الاجيال الصاعدة على اتصال مستمر ودائم بالسيرة النبوية الطاهرة المطهرة.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.