حديث الجمعة الديني : ” دروس من الهجرة النبوية”

17 ديسمبر، 2016

 

المقدمة

تطل علينا ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، هذه الهجرة التي تعد أبرز وأكبر وأهم حدث في السيرة النبوية وفي تاريخ الدعوة الإسلامية، فلا غرابة أن تكون هذه الهجرة حافلة بالأحداث، وبالعبر والدروس والعظات فهي سفرا من الأسفار التليدة التي كان لها التأثير المباشر في مسيرة البشرية في العالم إلى الأفضل، وفي إنقاذها من وهدة الضلال إلى نور الإسلام.

حب الأوطان

حينما اضطر رسولنا الأكرم  r مغادرة مكة، مسقط رأسه، مهاجراً إلى المدينة المنورة كان متألماً فقال مخاطباً مكة “ما أطيبك وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك “رواه الترمذي عن الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، وإسناده صحيح، وفي حديث نبوي آخر: روى الصحابي الجليل عبدالله بن عدي بن الحمراء رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله  r واقفاً على الحزورة فقال “والله أنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت “رواه الترمذي وابن ماجه واسناده صحيح، والحزورة (بفتح حركة حرف الحاء وتسكين حرف الزاي) اسم موقع مرتفع على مشارف مكة. فإن اضطرار الرسول عليه الصلاة والسلام) مغادرة مكة يعود إلى تعنت أهلها وعدم استجابتهم للدعوة الإسلامية، أما تنفيذ القيام بالهجرة فكان بأمر من الله عز وجل.

الهجرة ليست هروباً

يتوهم البعض أن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت خوفاً من أهل مكة، وهذا مخالفة للحقيقة، فلم تكن هجرته خوفاً من أحد، وإنما توجه إلى المدينة المنورة بأمر من رب العالمين، ولم تكن الهجرة هروباً من المسؤولية بل هي في حقيقتها تحمل للمسؤولية بكامل صورها لإشادة مجتمع جديد ولبناء الدولة والحضارة والجهاد والعودة إلى مكة المكرمة، هذا ولم تكن الهجرة محض الصدفة وإنما حصلت نتيجة تخطيط مسبق اقتضته طبيعة الدعوة الإسلامية، فقد مرت الدعوة في مكة، قبل الهجرة، بمرحلتين: الدعوة السرية، والدعوة العلنية (الجهرية) فكان لا بد من الانتقال بالدعوة الإسلامية إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة (النصرة والقوة والتمكين وإقامة الدولة) لأن الإسلام عقيدة ونظام، ولا يقوم النظام إلا بالدولة لتنفيذه ولحمايته، ولم تتهيأ هذه المرحلة في مكة بسبب تعنت المشركين من أهلها وصعوبة التعامل معهم فكانوا سببا في تعجيل الهجرة، في حين تهيأت الأسباب في المدينة المنورة لاستقبال الدعوة وقد نفذت الهجرة حسب برنامج دقيق وضع لها، والذي يؤيد ذلك ما حصل في بيعة العقبة الكبرى التي وقعت قبل الهجرة بعام واحد، فقد كانت صيغة البيعة على أساس النصرة وحماية الدعوة الإسلامية من قبل أهل المدينة المنورة (الذين عرفوا بالأنصار فيما بعد).

 

النصرة من المدينة المنورة

لأمر أراده الله عز وجل بأن النصرة لم تأت للرسول  r من أهل مكة المكرمة وإنما أتت من أهل المدينة المنورة للدلالة على أن الإسلام عام وليس خاصاً لقومه، ولئلا يتوهم العرب في الجزيرة العربية بأن أهل مكة يريدون الزعامة عن طريق هذا الدين، ولكن ليس بالضرورة أن يقوم المسلمون مستقبلاً  بالهجرة حين تنفيذ المرحلة الثالثة للدعوة الإسلامية، فقد تهيأت الأسباب في قطر من الأقطار فلا مبرر لأهل هذا القطر بالهجرة إلى قطر آخر.

القرآن الكريم والهجرة

أشار القرآن الكريم إلى الهجرة النبوية في الآية الأربعين، من سورة التوبة (براءة) بقوله عزوجل “إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” وقد سبق هذه الآية آيتان فيهما تقريع للذين يتخلفون عن الجهاد والنفير فيقول الله سبحانه وتعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” الآيتان 38و39. وكذلك وردت آية أخرى بعد آية الهجرة مباشرة تحض على النفير والجهاد أيضاً، فيقول رب العالمين ” انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ “الآية 41.

البديل عن الهجرة

أشار جمهور الفقهاء والمفسرين وعلماء الحديث الشريف إلى أن سوق (آية الهجرة) في سورة التوبة خلال آيات الجهاد ليدل على أن الجهاد هو البديل عن الهجرة، هذه الهجرة التي توقفت بفتح مكة المكرمة (في السنة الثامنة) واستدلوا أيضاً بقول الرسول  r (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا) متفق عليه عن مسعود السلمي قال: (جئت بأخي معبد إلى رسول الله  r بعد الفتح فقلت: يا رسول الله بايعه على الهجرة فقال عليه الصلاة والسلام: قد مضت الهجرة بأهلها، قال مجاشع: فبأي شيء تبايعه؟ قال عليه الصلاة والسلام (على الإسلام والجهاد والخير) رواه مسلم. (بعد الفتح) أي بعد فتح مكة – الفتح الأعظم.

هذا وقد توصل الفقهاء إلى حكم شرعي يتعلق بالهجرة ومفاده بأنه لا يحوز مفارقة الأوطان إلا إذا كانت الهجرة من أجل الجهاد في سبيل الله أو بنية خالصة لله عز وجل كطلب العلم أو السعي للرزق أو الفرار بالدين وبقصد العودة إلى الأوطان. (كتاب عمدة القارئ شرح صحيح البخاري للإمام العيني – باب فضل الجهاد ج14 ص80 وج15 ص10 وكتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري للإمام ابن حجر العسقلاني – باب الهجرة ج6 ص115.

المؤاخاة الفريدة

إن الهجرة النبوية علمتنا كيف تكون المحبة والألفة والوحدة بين الناس، وكيف تكون التضحيات التي بذلها المهاجرون والأنصار الذين مدحهم الله عز وجل بقوله ” وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ” سورة الأنفال الآية 74، بهذا الإيمان العظيم تحققت المؤاخاة الفريدة بين المهاجرين والأنصار هذه المؤاخاة التي تعد أكبر وأعظم وأعمق مؤاخاة في تاريخ البشرية فقد ألفت الهجرة بين قبيلتي الأوس والخزرج أولاً، ثم ألفت بين المهاجرين (الذين هاجروا من مكة إلى المدينة) وبين الأنصار (الذين يمثلون الأوس والخزرج) والله سبحانه وتعالى يقول ” وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” سورة الأنفال الآية 63 فالهجرة ليست خياماً ولا أكلاً ولا تسولاً، ولا توزيعاً للخبز. وإنما الهجرة جهاد وحياة كريمة وعمل دؤوب ووصول إلى الهدف المنشود،  وأن البوصلة كانت متوجهة إلى فتح مكة.  كما أن الهجرة ليست فراراً أو خوفاً أو هروباً من المسؤولية بل هي الإقدام والشجاعة والبناء وتحمل المسؤولية.

 

الخاتمة

يتوجب على المسلمين خلال إحيائهم لذكرى الهجرة النبوية الشريفة إبراز الدروس والعظات من هذه الذكرى المجيدة والتي أبرزها: المرابطة في الديار الإسلامية التي تتعرض للأخطار، والدعوة إلى عدم الهجرة منها. نعم، إن التنقل والسفر بين قطر وآخر من أقطار العالم الإسلامي أمر مباح ومشروع لأن الإسلام لا يعترف أصلاً بالحدود القائمة بين الأقطار الإسلامية في هذه الأيام، فهي حدود مصطنعة ومذلة للمسلمين، ولكن لا يعني هذا أن يتهرب المسلمون من المسؤولية وأن يهاجروا من القطر الذي يتعرض إلى الاحتلال والاستعمار. فالنصوص الشرعية والأحكام الفقهية أوجبت الثبات وعدم الهجرة بما لا يدعو إلى لبس أو غموض إلا في الحالات الاستثنائية التي أشارت إليها كتب التفسير والحديث والفقه، وبقصد العودة إلى الديار.

فهجرة المصطفى  rتمثل رحلة دعوية حضارية جهادية ففيها الموعظة وأي موعظة.

فإن هجرة المختار موعظة لنا                 وفي هجرة المختار تنبيها.

 

وصلى الله على سيدنا محمد صاحب الذكرى الشريفة وعلى آله وصحبه أجمعين