حديث الجمعة الديني : “دلالات وقفية الشيخ الخليلي”

17 ديسمبر، 2016

صاحب هذه الوقفية هو الشيخ محمد بن شرف الدين الخليلي المقدسي الشافعي- المشهور بالشيخ محمد الخليلي، وهو من مدينة الخليل، ولكن أقام في مدينة القدس، حيث قدم اليها 1104ه/ 1692م وسكن مجاوراً للمسجد الأقصى المبارك من الجهة الغربية (منطقة باب السلسلة) ، وكانت دراسته في الأزهر الشريف، وتتلمذ على يد أشهر علمائها، وتبحر فيس الفقه، وبخاصة في المذهب الشافعي، حتى أصبح فقيهاً للشافعية في مدينة القدس، وتوفي في القدس، ودفن في مكان إقامته سنة 1147ه/ 1734م ولا يزال قبره قائماً حتى الآن.

الوقوفات في الوقفية

لقد أوقف الشيخ الخليلي ممتلكاته جميعها حفاظا عليها، وقفاً ذرياً على نفسه خلال فترة حياته، ثم على أولاده وعلى أولاد أولاده، فإذا انقرضوا فعلى الزاوية المحمدية الواقعة في صحن الصخرة المشرفة، وعلى الفقهاء الشافعية…

هذا وقد شملت وقفية الشيخ الخليلي على نوعين من الموقوفات، وهما:

أولاً- النوع الأول: المكتبة

تُعد مكتبة الشيخ الخليلي من أنفس وأكبر المكتبات الموقوفة في مدينة القدس، فقد بلغت سبعة آلاف كتاب تضمن أمهات المراجع والمصادر في مختلف الموضوعات ، وهي تشكل الآن جزءاً من مكتبة المسجد الأقصى المبارك، وقد اشترط الواقف المحافظة على هذه الكتب والعناية بها، وترميمها، وتجليدها وعدم إعارتها إلا لطلبة العلم المشهورين بالصلاح، وحثّ على الدراسة والمطالعة ، وصبّ اللعنات على منْ يسرقها أو يعبث بها.

هذا ورغم الشروط التي وضعها الواقف للمحافظة على المكتبة إلا أنه قد ضاع أكثرها بسبب الظروف القاسية والصعبة والحرجة التي مرت بها مدينة القدس بخاصة وبلاد فلسطين بعامة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكذلك نكبة عام 48.

ثانياً- النوع الثاني: الأراضي والعقارات:

لقد شمل النوع الثاني من الوقوفات جميع الأملاك التي تخص الشيخ الخليلي ، وهي عبارة عن أراض وعقارات تقع في البلدة القديمة من مدينة القدس، وخارج المدينة أيضاً، كما يقع بعضها في مدينة يافا بفلسطين ، وأشير إلى أبرزها وأهمها بإيجاز:

  1. المصبنة لصناعة الصابون، وقد وقف الشيخ الخليلي العقارات كما وقف الأدوات التي تتعلق بصناعة الصابون ، وكذلك المخازن والمرافق.
  2. الحياكة، وهي مجاورة للمصبنة.
  3. أرض الكرم الواقعة مقابل باب الزاهرة من بوابات البلدة القديمة من مدينة القدس، وما اشتمل عليه الكرم من أشجار مثمرة كالعنب والزيتون والتين والرمان… وتشمل الوقفية جميع الآبار والبرك الواقعة في الكرم، وكذلك سائر جدران الكرم وحيطانه.
  4. القصر المشيد بالحجارة وبالشيد والذي يقع داخل الكرم وما اشتمل عليه من مرافق وملحقان.
  5. جميع الكرم الواقع في منطقة البقعة في مدينة القدس.
  6. في مدينة يافا: جميع البساتين وما اشتمل عليه من أشجار مثمرة من العنب والتين والرمان والتفاح.
  7. هناك عقارات وأراض أخرى متفرقة بالقدس ويافا والخليل الواردة ذكرها في نص الوقفية.

هذا وقد اشترك في الوقفية صيانة الوقوفات في ريع الوقف وتعمير البيوت الموقوفة، ويشدد على ذلك، ثم يوزع الريع على الورثة المستحقين.

الأهداف من الوقفية

حين استعراض نص وقفية الشيخ الخليلي تبرز الأهداف الآتية لدى الواقف:

  1. حرص الواقف في المحافظة على الكتب وصيانتها وترميمها وتجليدها وعدم التفريط فيها، فقد ورد في نص الوقفية (… وشرط الواقف شروطاً يجب العمل بها ولا يجوز مخالفتها، فمنها: أن لا تباع ولا توهب ولا ترهن ولا تهدى لأحد من الحكام والأعيان، ولا تستبدل.. ومنها: أن مَنْ ولي عليها يصونها ويحافظ عليها ويلاحظها ويراقبها ويجلد ما يحتاج للتجليد.. وذلك من ريح الوقف)
  2. الحث على المطالعة والدراسة من خلال إعارة الكتب لطلبة العلم عامة والمشهود لهم بالصلاح، فقد ورد في نص الوقفية (… ومنها أنه شرط على منْ ولي عليها النظر إلى ما يعير منها تغييره بعد تغييره من الكتاب بتمامه- أي إعارة الكتاب وإعادته كاملاً دون نقص- ولا يعير إلا لطلبة العلم المشهورين بالصلاح في بيت المقدس والمجاورين بها والقاطنين فيها من أهلها أو غيرهم من كل من تلبس بطلبة العلم على أي مذهب من المذاهب الأربعة إذا علم أو ظنّ أن المستعير قصده الانتفاع والاستفادة منها. هذا ومن اشتهر بتضييع الكتب وإتلافها أو حرقها لا يعيره منها شيئاً. ومن الشروط: انّ المستعير متى فرغ مقصوده من التغييرة يردّها إلى محلها ولا يحبسها عنده لغير حاجة لئلا يحتاجها غيره فلا يجدها فيتعطل النفع المقصود للواقف…).
  3. الحفاظ على الأراضي والعقارات في مدينة القدس، وعدم تسريبها إلى الطامعين من الكفار والأعداء، لذا وقف الشيخ الخليلي جميع ما يملكه من الأراضي والعقارات في مدن القدس ويافا والخليل بهدف الحفاظ عليها والوقوف في وجه الطامعين. وهذا الموقف يُعد من بُعد نظر الشيخ الخليلي الذي كان يشعر، قبل ثلاثمائة سنة، بأن مدينة القدس مستهدفة، وأن الأعداء يعملون جاهدين لشراء الأراضي والعقارات من أهل فلسطين، في الوقت نفسه كان الشيخ الخليلي يحثّ الناس على وقف الأراضي وعدم التعامل مع الأعداء والكفار فيقول في الوقفية ما نصه (…وذلك لأن بيت المقدس محلّ نظر الكفار، أعداء الله وأعداء رسوله، ومحل اعتقادهم… فيجب أن تكون أكنافها وأطرافها ونواحيها وجهاتها مشحونة بالقصور الحصينة والأبنية المنيعة إرهابا للعدو وإغاظة له، وقطعاً لأطماعه وتخييباً لآماله وقد كانت في الزمن السابق، كذلك كما شاهدناه ورأيناه في خارجها وأطرافها، فيها ما يزيد على أكثر من ماية قصر منيعة وحصينة قد استولى عليها مَنْ لا أخلاق له ممن رقت ديانته وقلت نقواه، فاستماله الأعداء، وبذلوا له شيئاً نزراً من حطام الدنيا فسعوا في خرابها واحتالوا بأن مرادهم شراء الأحجار وما علموا أن مرادهم خراب الأوطان والديار. فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل) فهذا ما يشكوا منه الشيخ الخليلي، وهو في القرن الثاني عشر للهجرة/ القرن الثامن عشر للميلاد، فكيف في يومنا هذا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
  4. دعوته للحفاظ على الدين وإظهار الشعائر في مدينة القدس الطاهرة فيقول الشيخ الخليلي في وقفيته (… فقصد الواقف أن تكون هذه الكتب في بيت المقدس ذخيرة ينتفع بها أهلها ويجري عليه ثوابها، وأجرها مع بقاء عينها لئلا يجري ما جرى على غيرها مع أن بيت المقدس يجب على أهلها زيادة الاعتناء بأمر الدين، والتنافس على تحصيل العلوم والكتب لأنهم في بلاد مقدسة ورياض مطهرة ليغيظوا بذلك الكفار الذين يتنافسون في تحصيل الفجور والبهتان، فأهل الحق والصدق أحق بالاعتناء ببقائهم شعائرهم والتنافس في تحصيل العلوم، وفقنا الله إلى وجوء الخيرات.).

هذه أبرز الأهداف التي أمكن استخلاصها من وقفية الشيخ الخليلي رحمه الله، فقد كان يتفاعل مع الأحداث ويحرص على متابعتها حفاظاً على القدس وأهلها، كما كان يشجع على طلب العلم، وأن هذه الوقفية تمتاز بالعمق وبعد النظر واستشراف المستقبل.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.